Theaterمقالات

«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة… خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة

حين تُضاء خشبة مسرح «مونو» على عرض «زينة لبست خلخالها»، يدرك المشاهد منذ اللحظة الأولى أنه ليس أمام مسرحيةٍ عابرة، بل في حضرة ولادةٍ إنسانية وفنية جديدة للمخرجة والمعالجة بالدراما زينة دكّاش. فبعد مسيرةٍ طويلة كرّستها لمداواة جراح المساجين والموجوعين، تختار دكّاش هذه المرة أن تداوي جراحها الخاصة على الملأ، واضعةً سيرتها العائلية وتفاصيل فقدها في قلب الخشبة. لم تكن زينة التي رأيناها هي تلك التي اعتدناها سابقاً؛ بل امرأةٌ تقف عند نقطة تحوّلٍ حاسمة لتطوي صفحة الأمس بلا رجعة، في عرضٍ استثنائي سحر الجمهور وجعله شريكاً في رحلةٍ شعوريةٍ متقلّبة تتعانق فيها الكوميديا الساخرة مع البكاء الصادق.

«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة... خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة
«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة… خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة

مستودع الذكريات: قبو الفيلا والملفّ الذي أعاد فتح الماضي

تبدأ زينة عرضها بلفتة دافئة تحنّ فيها إلى الماضي، فتستعيد إحدى أغنياتها من ألبومها الغنائي الذي أطلقته مطلع الألفينات، في إشارة واضحة إلى رغبتها في التغيير وكسر الروتين. تنطلق أحداث المسرحية من مستودع (ديبو) الفيلا العائلية؛ ذلك المكان المليء بالصناديق القديمة، والملابس المتروكة، ومجموعات مفاتيح الشقق والشاليهات. كلّ مفتاح في ذلك المستودع كان يفتح باباً من الذكريات، وكلّ قطعة ثياب كانت تستحضر موقفاً قديماً أو توقظ جرحاً عائلياً.

وسط هذه الأغراض المتراكمة، يظهر الممثل كريم شبلي ليحاور زينة ويشجّعها على طيّ صفحة الماضي والبدء من جديد بعيداً عن أسر تلك الذكريات؛ إلى أن تمتدّ اليد نحو أحد الصناديق وتخرج منه «ملفّاً» خاصاً احتفظت فيه زينة بأوراق النعي وتفاصيل جنازة والدها الراحل «إلياس». في هذه اللحظة، يعود بنا المسرح إلى يوم الدفن بكل تفاصيله؛ فتتذكر والدتها الراحلة، وسكرتيرة والدها، ومواقف طريفة من حياة أبيها الذي كان رجلاً محبّاً للحياة والنساء يقطف الورود ويهديها سراً، لتنكشف حكاية العائلة بكل ما فيها من حبّ ووجع ومفارقات.

«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة... خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة
«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة… خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة

كوميديا العزاء: مظاهر الوجاهة وأموال الوالد المحتجزة

تحوّل دكّاش جنازة والدها كاتب العدل المعروف وصاحب المكانة المرموقة والنفوذ في منطقة كسروان من مناسبة حزينة تقليدية إلى دفنٍ كوميدي ساخر يسلّط الضوء بذكاء على عادات العزاء والدفن في المجتمع اللبناني.

في هذا المأتم، تسيطر المظاهر الاجتماعية وحبّ الوجاهة؛ إذ يصرّ عمّها (شقيق الراحل) على إقامة جنازة فخمة تليق باسم العائلة أمام النواب والحكّام ووجهاء المنطقة، فيصبح كلّ شيء على الطلب وبمبالغ طائلة، من التابوت والمحمل وصولاً إلى ولائم الطعام الفاخرة. لكن المفارقة المضحكة المبكية هي أن كل هذه المصاريف الباهظة جاءت في وقتٍ ضاعت فيه أموال الوالد واحتُجزت في المصارف اللبنانية، ليتحوّل الدفن نفسه إلى عبءٍ مالي ثقيل.

وتزداد المواقف سخريةً حين تكشف المسرحيةُ زيف بعض العلاقات؛ فبرغم أن الوالد رحل بعدما سدّد كل ديونه وأعطى كل ذي حقٍ حقه، يظهر بعض الأشخاص في قلب العزاء للمطالبة بديونٍ غير حقيقية وفواتير وهمية، وسط تدخلاتٍ من المحيطين في كتابة «ورقة النعي»، في مشهدٍ يعكس تناقضات المجتمع وعاداته المتشابهة في العزاء، سواء في كسروان أو في بيروت.

«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة... خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة
«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة… خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة

المفاجأة المسرحية الأقوى: إشارة اليد وعودة الشقيق الغائب

على مستوى التمثيل، شكّلت زينة دكّاش مع الممثل المبدع كريم شبلي ثنائياً متناغماً للغاية، أخذ الجمهور في رحلةٍ سريعة من المشاعر المتقلّبة بين الضحك المفاجئ والتأثر العميق. غير أن المفاجأة الكبرى في المسرحية كمنت في الحيلة الفنية الذكية التي نسجتها زينة حول هوية الشخصية التي يؤديها شبلي؛ ذلك الشخص الذي رافقها على المسرح وكان يقوم بإشاراتٍ غامضة ومتكررة بيده أثارت حيرة الجمهور طوال العرض.

ومع تقدم الأحداث، تنكشف الحقيقة المؤثرة: هذا الشخص الذي يحاورها ليس إلا شقيقها الأكبر المتوفى، الذي رحل مشلولاً في عمر الثانية عشرة، حين كانت زينة طفلة في الرابعة من عمرها. هنا تفتح زينة جرحاً عائلياً قديماً؛ فتروي كيف أرسلها أهلها بعيداً عن البيت لعدة أيام حتى ينتهي دفنه دون أن تودّعه، وكيف مُنعت لسنواتٍ من وضع صوره إلى جانب صور إخوتها، وصولاً إلى اللحظة الأقسى حين لم يُذكر اسمه على ورقة نعي والدهما عند وفاته.

في هذه اللحظة، يتحوّل المسرح إلى مساحة للمصالحة الصادقة تجمع زينة بوالدها وشقيقها معاً؛ وفي مشهدٍ مؤثر جداً، يمسك الشقيق الراحل بالقلم ويكتب اسمه بيده على ورقة النعي، ليعلن أنه كان فرداً من هذه العائلة، وليستعيد مكانه المحفوظ في الذاكرة والقلب.

«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة... خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة
«زينة لبست خلخالها»: حين يتحوّل العزاء إلى ولادة جديدة… خطوةُ الألف ميل فوق ركام الذاكرة

معنى الخلخال: كسر التوقعات وخطوة الألف ميل

تلتقي كل خيوط المسرحية في النهاية عند معنى العنوان: «زينة لبست خلخالها»، لتلخّص ما عبّرت عنه دكّاش بقولها: “نحن جميعاً في هذا البلد ورثنا أمراض أهلنا ومشاكلهم ومصائبهم، وقاعدين بنحلحل فيهم”.

وفي المشهد الأخير، تفاجئ زينة الجمهور بعكس ما كان متوقعاً؛ فبينما كان الجميع ينتظر أن تخلع الخلخال أو أن تقدم رقصة كاملة، اختارت نهايةً أعمق وأقوى تعبيراً. لبست زينة الخلخال وتقدّمت نحو مقدمة المسرح، خطت خطوة واثقة وهزّت برجلها ليصدح رنين الخلخال، ثم نظرت إلى الجمهور ضاحكةً في لحظة تصالح وانتصار، بالتزامن مع خفوت الضوء تدريجياً وإسدال الستار.

تلك الخطوة، الممزوجة برنين الخلخال وابتسامة الرضا، كانت بمثابة «خطوة الألف ميل» نحو حياةٍ جديدة؛ خطوةٌ تطوي بها زينة دكّاش صفحة المستودع القديم، والملفّات العالقة، والأموال الضائعة، والجراح العائلية، لترتدي خلخالها كإعلان حريةٍ وانطلاقةٍ متجددة تبدأ لحظة انتهاء العرض.

Website |  + مقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى