
في تحدٍّ للأزمات التي تعصف بالبلاد، اختار لبنان أن يعلو صوته بلغة الموسيقى، مُعلناً ولادة “مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا” (BIOFC) من قلب مدرج زوق مكايل الروماني. في تلك الليلة الاستثنائية، عانق سحر الحجارة التاريخية رُقيّ الألحان الكلاسيكية، لتتبلور تظاهرة فنية عالمية برعاية وزارتي الثقافة والسياحة حوّلت التحديات الراهنة إلى خشبة تنبض بالفرح والأمل.
لم يكن هذا الحدث مجرد أمسية عابرة، بل تجسيداً لـ “فعل مقاومة نابض بالحياة”، وفق تعبير رئيسة جمعية «بيتي» ومنظمة الأمسية، جوزيفين زغيب. ففي ظل ظروف أدت إلى إلغاء العديد من الفعاليات، أصرّ المنظمون على استعادة الثقة بلبنان، مؤكدين أن إحياء الموسيقى الكلاسيكية يمثل رسالة صمود قادرة على إعادة الروح للمشهدين الثقافي والسياحي.
وقد تلاقى هذا الإصرار مع رؤية المايسترو والمدير الفني فرناندو عفارة، الذي رأى حلمه يبصر النور بعد سنوات من التحضير. عفارة، الذي قاد الأوركسترا السيمفونية ببراعة واقتدار، اعتبر المهرجان خطوة استراتيجية لتثبيت بيروت على خارطة المهرجانات الأوروبية الكبرى، مدعوماً بشراكات فاعلة مع السفارة السويسرية وبلدية زوق مكايل، وطموح يسعى لتحويل العاصمة إلى وجهة سنوية دائمة لأبرز فناني الأوبرا في العالم.

مارينا فيوتي: رسالة حب من وراء الحدود
على الخشبة، حُبست الأنفاس ترقباً لإطلالة نجمة الميزو-سوبرانو السويسرية العالمية مارينا فيوتي. الحائزة على جائزة “غرامي”، والتي طال انتظار زيارتها بفعل التوترات الأمنية، لم تُخفِ تأثرها العميق بلقاء الجمهور اللبناني. عبّرت فيوتي عن شعور عالٍ بالانتماء والتقارب الثقافي مع هذا البلد، واصفةً حضورها بأنه “رسالة حب وسلام” تتجاوز كل الحدود.
وبصوتها الدافئ وحضورها المسرحي الطاغي، أسرت فيوتي الحاضرين، متنقلةً بانسيابية بين عمق التعبير الوجداني وبراعة الزخارف الصوتية لأسلوب “البل كانتو” (Bel Canto). وإلى جانبها، تألق التينور الفرنسي أمبرواز ديفاريه مضفياً توازناً درامياً متقناً، فيما أثبتت السوبرانو اللبنانية الشابة فاليري ميخائيل جدارة الأصوات المحلية في مقارعة المعايير الدولية. كما شكلت جوقة “Les Solistes de Beyrouth” دعامة أساسية للعرض، مقدمةً تناغمات كورالية عكست انضباطاً أكاديمياً ومستوىً فنياً رفيعاً.

حوار موسيقي بين سحر إيطاليا ورومانسية فرنسا
أخذت الأمسية جمهورها في رحلة ملحمية زاوجت بين عراقة المدرستين الإيطالية والفرنسية. انطلق العرض بخشوع مهيب مع ترنيمة “Regina Coeli” لـ بييترو ماسكاغني، لتتصاعد الحالة الوجدانية مع أريا “O mio babbino caro” لـ جاكومو بوتشيني، وصولاً إلى ذروة الحيوية مع روائع روسيني في “حلاق إشبيلية” و”سندريلا”.
وفي المقلب الفرنسي، تجلى الشغف بكامل أبعاده مع أوبرا “كارمن” لجورج بيزيه، حيث أبدعت فيوتي في أداء “الهابانيرا”، لتُختتم هذه المحطة بدويتو مشحون بالتوتر الدرامي جمعها بديفاريه. وتُوّجت الأمسية لاحقاً برائعة “شمشون ودليلة” لسان-سانس، قبل أن يُسدل الستار على إيقاع البهجة الساخرة من عالم جاك أوفنباخ، تاركاً الجمهور في حالة من النشوة والتصفيق الحار.

لبنان على خارطة الثقافة الدولية
هذا الإنجاز الاستثنائي كان محط إشادة وزيرة السياحة لورا لحود، التي نوّهت بالتنوع الفني الناجم عن تمازج الموسيقى الكلاسيكية بالروح المحلية. وثمّنت لحود مبادرة فيوتي بتقديم ورش عمل مرافقة للمهرجان، مؤكدةً أن مثل هذه المبادرات تنجح، رغم كل الصعاب، في ترسيخ الحضور الثقافي للبنان وتثبيت مكانته الرائدة على الخريطة الثقافية الدولية.
في المحصلة، أثبت مدرج زوق مكايل أن بيروت لا تزال قادرة على عزف سيمفونية الحياة، وأن هذا المهرجان الاستثنائي ليس سوى الفصل الأول من مشروع ثقافي مستدام، سيُعيد بلا شك للمدينة بريقها العالمي كحاضنة للفن والإبداع الحر.








