مسرحمقالات

حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!

تتجاوز مسرحية «مش للكل» (كتابة سارا عبدو وإخراج كريم شبلي) حدود المألوف في المسرح اللبناني المعاصر. فهي تبتعد بذكاء عن الكوميديا الاجتماعية المستهلكة أو التناول السياسي المباشر، لتقذف بنا في عوالم كابوسية مستقبلية تتقاطع مع مسرح العبث، وتضعنا أمام مرآة مرعبة تعكس ما سيؤول إليه مصيرنا حين نسلم قيادنا بالكامل للآلات والذكاء الاصطناعي.

حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!
حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!

ببراعة، تستغل الحبكة عقدة اللبنانيين الأزلية مع “الدوائر الحكومية”، لكنها تسلخها من سياقها الزمني لتزرعها في حقبة ما بعد “الحرب العالمية الرابعة”. هذا العالم الغرائبي المحكم، الذي تطلب بناؤه عاماً ونصف العام وأكثر من ٥٠ مسودة، يبدأ بفخ درامي يتمثل في “فحص البول”، ليتكشف سريعاً كاستعارة مرعبة لمدى استباحة “النظام” لأعمق خصوصيات البشر، تمهيداً لمصادرة حقهم البديهي في الإنجاب والاستمرار. ويُمعن العرض في سحق الكيان الإنساني محولاً إياه إلى مجرد أرقام يجسدها الممثلان نور حجار (الملف ٩٨١) وإيلي متري (الملف ٢٦٤). ففي خطوة إخراجية ذكية، تم انتزاع هذين النجمين من مساحتهما الكوميدية المعتادة، ليجسدا الطاعة العمياء والخوف المطلق، حيث يمثلان الإنسان المفرغ من إرادته، والخاضع لاختبارات جسدية ونفسية مهينة استجداءً لرضا الآلة. وعلى المقلب الآخر، يحمل أداء سارا عبدو العبء الأكبر، فهي لا تلعب دور وحش معدني، بل تجسد “النظام” الديكتاتوري بصوت أنثوي لطيف وابتسامة مبرمجة. هذا الثبات الجسدي والإيقاع الرتيب لمدة ٧٠ دقيقة يترجم بدقة رعب الذكاء الاصطناعي المعاصر، مقدماً قمعاً مغلّفاً بأناقة مفرطة.

حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!
حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!

لتعزيز هذه الحالة، لجأ المخرج كريم شبلي إلى تقشف بصري مدروس، حيث لم يكن الديكور الباهت والإضاءة الشحيحة خياراً عشوائياً، بل أداة لخلق حالة من الاختناق المكاني التي تحبس الجمهور والممثلين في زنزانة واحدة تحت مراقبة النظام. هذا الفراغ يكثف التركيز على الأداء والنص، ويفضح برودة الواقع التكنولوجي المرير الخالي من أي نبض بشري. وتحت قناع الكوميديا السوداء، ترمي المسرحية في وجهنا تساؤلات وجودية حارقة حول تحول الإنسان إلى مجرد أداة في يد ابتكاراته، بحيث يصبح النظام هو من يقيم جدارتنا بالحياة. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال التركيز على “الإنجاب” الذي يمثل مصادرة الآلة لأساس التطور البشري؛ فمن يقرر من يتكاثر، يلغي مفهوم الإرادة الحرة من جذوره. كما يطرح النص إشكالية لاذعة حول عقم المشاعر، متسائلاً عما إذا كنا كبشر عاجزين عن فهم شركائنا وتحمل مسؤولياتنا العاطفية، فهل نُلام حين نستنجد بطرف ثالث إلكتروني ليفكر ويقرر عنا؟

حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!
حين تبتلع الخوارزميات إنسانيتنا: «مش للكل» كابوس مسرحي يصفع الواقع اللبناني ويصادر حقنا في البقاء!

يحمل عنوان المسرحية رسالة مبطنة ومزدوجة؛ فهو دعوة لجمهور قادر على فك شيفرات العبث ومواجهة مخاوفه بعيداً عن الاستسهال الفني، وهو في الوقت عينه حكم قاسٍ بأن المستقبل والحقوق الأساسية كالحب والإنجاب لن تكون متاحة “للكل”، بل فقط لمن تعتمده خوارزميات النظام. لقد نجح شبلي وعبدو في نحت عمل مسرحي طليعي لا يكتفي بانتزاع الضحكات، بل يوقظنا على حقيقة مرعبة مفادها أن الكابوس المستقبلي لم يعد قصة نقرأها، بل واقعاً بدأنا نتنفسه اليوم.

Website |  + مقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى