رودي رحمة: بين سكون الطبيعة وضجيج الفن أرفعُ قُدّاسي الخاص
رودي نارٌ على علم في ميدان الشعر والنحت. هل بنيتَ مسيرتك على فلسفةٍ معينة أم استندت الى تجارب مررت بها؟
لا، طبعاً. الفلسفة تأتي كنتيجة. الفلسفة الخاصة بك هي ثمرة عيشك وعلاقتك بفنك، ذلك الفنّ الذي يشمل الله، والعين، والإحساس، واللمس، والعطر. إذا جمعت هذه العناصر كلّها معاً، تلمس كيف انبثق الفجر، هذا النور المنبعث من وجوهنا. انبثق هذا النور من رحم العتمة والمغيب، من علاقة الظلام بالنور، بحيث ترى داخل العتمة نورًا. حين نفكّر بهذه الطريقة لا بدّ من أن يؤثر الفنّ فينا. إذا حدّثتك مثلاً عن مفهوم “الموج الهوائي” الذي أعمل عليه اليوم بكثرة، قد تستغرب وتسألني: “موج وهوائيّ؟”. في هذه الغرابة بالذات تكمن رؤية كل فنان. “الموج الهوائي” يعني موجة يحرّكها الهواء، هي موجة مائية تضربها الريح فتتلاشى قطراتها في الهواء ونضيع معها فلا نعرف أين نحن. هذه الحالة المائية الهوائية حاضرة وموجودة في الصخر. منحوتة “الصخرة الماشية” (The Walking Rock) بالذات التي أعمل عليها اليوم تلخّص هذا المفهوم.
وبالتالي لا تكون الكتلة الصخرية مجرّد كتلة؛ بل نتاج الموج الذي يضربها، والرياح التي تصفعها، والصقيع الذي يجلّدها وينتزع منها أجزاء، والمياه التي تغمرها وتجفّفها أحياناً، والشمس التي تتغزّل بها. هذه العوامل كلّها ساهمت بنحت هذا العمل. وإذا أغمضتُ عينيّ وأكملت “قدّاسي” الخاص بيني وبين هذه المنحوتة، تتّضح العلاقة التي توصلني إلى الهدف. وتدرك من هذه العلاقة بالذات قوّة النعومة، وهي إدراكك بأنّ الخالق يُخرج من داخلك أشياء تجعلك تتساءل مندهشًا مستغربًا: “هل أنا من صنع هذا العمل أم هو؟”. وهذا أهمّ سؤال. أما لماذا علينا أن نتأمل؟ فلأننا إن لم نفعل توهّمنا مخطئين بأننا ملوكٌ وأصحاب هذه الأرض. مالك السماوات والأرض هو مالك كلّ شيء، أما نحن فمجرد ذرّة غبار من نورٍ ينفضها الخالق عنه، وكلّ شرارة هي نجمةٌ صغيرة تخاطبنا قائلةً: “أنت نجمة”، فإما أن تشع بضوئ على من حولك، أو تركن إلى الصمت فيبتلعك الظلام. أنا ممّن عمل بشقاء على “نجمتي” بمساعدة الخالق، وليس لأيّ كان أن يلمس هذا النور لولا مروره بعتمته الخاصة التي لا يعرفها أحد، حينها يدرك أنّ قيامة النور هي الأساس. أغمض عينيك، فتصبح الدنيا والمجرّات كلّها بداخلك فتشعر بعظمة الخالق.

مَن يزور مشغلك يشعر بأنّك تتواصل مع خالقك عبر الطبيعة، ولذا يحتوي فنك على كثير من عناصرها كخشب الشجرة والصخر وما إلى ذلك.
نعم فالطبيعة تربطني بالخالق. وكي نتحدّث عن علاقتنا بالخالق، علينا أن ننزل إلى هنا، الى الأرض. وحين نفعل وننظر من حولنا ندرك أنّها مشبعة بما يُشبه “الصفعة”؛ صفعة توقظك ولا تدري من أين أتت، وسكون تام تغرق فيه. يُلخّص الجمال مع الخالق بكلمتين: سكون وضجيج. والسكون يحيط بنا فأنت ترى شجرةً تنمو وتتساءل كيف ذلك. وهذا بالذات هو سرّ الطبيعة؛ فالله حاضر فيها. ومن يؤمن بتطوّر الروح، وبعلاقة الروح بالشكل، وبقوّة تشكيل الأشياء مع مرور الزمن، يدرك أنّ الفن هو ذك الإحساس الذي يصفعك بضجيجه، ويضربك بسكونه في الوقت نفسه. علاقتي مع الخالق علاقة تأمل طويل. فإن قلت لك: “انظر إلى هذه الشجرة، ما أجملها”، يكون ذلك تعبير عادي. أما إن قلت: “انظر إلى تلك القوة الكامنة المستترة في الشجرة”، يكون تفكيري كفنان أبعد من الشكل.

هل يختصر هذا المشغل الذين نحن فيه حلمك في الحياة؟
كل فنّان يحلم بأن يكون لديه مشغل (Atelier) ليرتاح ويبدع فيه. وهذا المشغل الذي تراه أمامك عمره عشرين سنة تقريبًا. عجنته على ذوقي، وصهرت فيه المواد مع بعضها أي الحديد والصخر، والخشب، والشجر. وهذه العجينة حلوة لأنّها متنوعة، وأنا ممّن يحبون التنويع ودمج المواد. Domaine Rudy Rahmé صالةُ عرض وطنية تابعة لوزارة الثقافة. بفضل الله أعيش في عالمي الصغير هذا الذي صنعته على ذوقي، ومن خلاله أعطي قصصًا تليق بذوق الناس. وتعرف ما هو أحلى شيء؟ أن تسرق من الناس قصصًا لا يعرفون قولها، فتصل أنت لتجسدها بحيث يرون بعضًا من ذاتهم فيها.

نلاحظ دمجك للمواد في هذه الصالة الـLog house: الصخر المحفور لأمتار، الحديد من سكك القطار، أفران الأديرة القديمة، دمج شجر الزيتون والمعادن القاسية. ما هي الرسالة؟
رسالتي هي الزمن. الزمن الذي لا يهدأ. أحبّ الزمن العتيق، فكلّما تعتّق الزمن صار دهرًا. و”مجد” الدهر هذا يفعل فينا الكثير. فأنا مثيلاً صنيعة وادي قنوبين والأرز وجبل المكمل.
دمجت في هذا المعرض الحديد بالخشب والبرونز والرخام. يعنيني الخشب كثيرًا لأنّه مادة حية، إن لم تحافظ عليها تتغيّر وتفسد لأنّها فقدت حرّيتها التي كانت تجعلها تكبر وتتلقّى الفصول. صار لها فصلها الخاص في مكانٍ هي محبوسةٌ فيه. أما الخشب فكلّه خشب مصمت (Massif)، لا أحب قشرة الخشب أو الحديد الرقيق، بل الحديد السميك القوي (Robust) الذي لا يتأثر لو ضُرب. واللوحات المرسومة بأسلوب الـ Sculpt-peinture، حيث ترسم على القماش المجهز بمواد خاصة، تنتقل فيها من النعومة للخشونة. هذه التقنيات هي اكتشافات لمواد أعمل عليها بشغف، منتقلاً من الرسم بقلم الرصاص على الورق، إلى الرسم على القماش بهيكليات وتكوينات بصرية تتغيّر بحسب الإضاءة. والبيكسلات (Pixels) الصغيرة المجاورة لبعضها كلما كثرت زادت النقاء.
اللوحة الفنية تمرّ بمراحل كما المدارس الفنية: كلاسيكية، انطباعية، سريالية، وصولاً للمودرنيزم (الحداثة). أنا أعيش كل هذه المدارس ولا أحصر نفسي بواحدة؛ عملي هو نتاج حياتي، وحياتي هي التي توّجه هذا المزيج.


هل تعلّمت الفنّ ام كانت موهبة بالفطرة؟
المعلم الوحيد هو الله، وأنا أعلّم نفسي بنفسي. وأكاد أقول تعلّمت عند البعض وربما لو لم أتعلّم عندهم كان فنّي. تعلّمت الكثير في فلورنسا، هناك أناس تعلمت عندهم وضيعوا وقتي. 90% من الفنّ قائم على تعلّم التقنيات، أما الـ 10% الباقية إن لم تكن بينك وبين الله فلن تصل الى شيء. ولكن الفنان الذي يقول لك “أنا لم أتأثّر بأحد” ليس فنانًا، الفنان الكبير يتأثّر بمن سبقه وبمن حوله وبطفلٍ يبكي، ويبني على تاريخ من سبقوه.
بين الشعر والنحت، ما الذي بدأ معك أولاً؟
ما من أمر بدأ قبل الآخر، بل انصهرت الأمور ببعضها. بدأت أولاً بالرسم بقلم الرصاص وذلك من أصعب الفنون وأجملها. والرصاصُ عبارة عن لونين يشكلان غرابة للعين (الأسود والأبيض) وبينهما الرمادي. وهذه الألوان مستوحاة من الطبيعة: من العشب الأخضر. الكاتبة الراحلة مي منسى كتبت عني مقالاً تقول فيه: “إنني أرى في قلم الرصاص عند رودي رحمة هذا العشب الأخضر”. نعم هو عشب أخضر، لكن هل تعرفون ما هي الفحمة في النهاية؟ الفحمة هي نتاج نار التهمت كلّ شيء، كلّ ألوان النار القديمة، من الأبيض وصولاً إلى أقصى السواد؛ كلّها ألوان نار ضربت هذه الفحمة لتصبح في حلّتها النهائية معك. وحين نغفو غفوة الموت الأخيرة، نخرج من واقع الألوان إلى لونٍ واحد هو “لون الله” جامع الألوان كلّها.
من أين تستمدّ هذا الجمال والسلام في فنّك، وهل نستطيع القول إنك فنون يحبّ الفرح؟
علّمتني ديانتي أن أكون نقياً، أن أكون فرحًا، أن أصنع من العذاب والجرح ضحكةً جميلة. لست ممّن يتقوقعون في زوايا البيوت أو المشغل ويبكي على الأطلال. أنا ممّن يؤمنون بوجوب النظافة والاستحمام وبضرورة التأمل ولكن لك لا يعني الاكتئاب. من قال إنّ الفنان يجب أن يكون مكتئباً وثيابه ممزقة وشعره طويل ولا يكترث لنظافته؟ لا أحكم على الفنانين طبعًا فبعضهم لا يجيد الإبداع إلا بذلك أو بشرب كأس من الويسكي أو العرق. أما أنا فإلهامي في ذروته من دون ويسكي ولا عرق ولا غيره. سواء كنت نظيفاً أم لا، الأهم هو ما بينك وبين حالك. ارفع قداسك، وادخل كنيستك التي تؤمن بها، واجعل قداسك على ذوقك.
أنا أعمل قداسي على ذوقي، ولا أحد يشاركني فيه، ولكنني متصالح جداً مع كنيستي. أنا إنسان لا أخرج عن كنيستي، ولا أفصّل المسيح على ذوقي لأكسره. المسيح عندي هو آخر إحساس أبلغه؛ عندما أغمض عيني وأتحسس وجوده معي. أنا ممّن يذهبون الى الكنيسة ربّما مرة في الشهر، لكنني أقصدها عشر مرات وهي فارغة.
هل أخذت ما تستحقه من تقديرٍ في الوطن؟
إذا لم يكن لك أساس في وطنك وجذور ضاربة كـ “الأرزة”، بحيث تأخذ من أجدادك وعائلتك وتكمل المسيرة، فلن تنجح. أنا امتداد للعائلة؛ فحين أغمض عينيّ أرى أبي سمير، وقبله توفيق، وقبله سمير، أشعر بثقل المسؤولية وبأنّ الوطن أعطاني الكثير، ولم أعطه بعد شيئاً.
هل يهمّك بيع أعمالك وكم تحقّق من أرباح؟
نصحني والدي رحمه الله يومًا حين كنت صغيرًا: “إياك يا بني أن تبيع منحوتة أو لوحة”. وفعلاً بعتُ وندمت. تشعر عند البيع كأن قطعةً منك باتت عند غيرك. ولكنّني أعمل حبًّا بالفنّ وليس للمادة. لا يهمّتي البيع بقدر ما يهمّني أين سيكون فنّي ولذلك تراني حريصًا على أن تبقى أعمالي بأبهى حلّتها.

كيف ترى عصر الذكاء الاصطناعي؟
سيولّد هذا العصر صدمةً. اختفت الأسلحة التقليدية وحلت مكانها حروب الأمراض. سنصل إلى الانفجار الكبير، نعود بعدها للسكون المطلق. السكون والضجيج؛ وأحيانًا نقلب الآية. في إحدى قصائدي أقول:
“هذه المرأة التي قلبت الصفحة، تاب الحقل وصاروا الخطايا ملاح.
قومي معي تنختفي بلمحة، مثل الشتاء في قلب الغيم سواح.
نصير الشتاء الذي لا يملك دمعة، قومي معي نسرج فرساً لنسافر في هذا الليل.
على حلم قفّى الخيل، على عرس يزف العرس، ويقوم نجم سهيل”.
ما هي أحبّ أبياتك الى قلبك؟
دقيت على باب الخشب،
ردّ الغصن: مفتوح بابي فوت.
في ناس سمّوني حطب، غبرة وتبن شعلان عم بيموت.
وفي ناس بالليلة التعب، غطّوا الجمر بسكوت.
وفي ناس هنّي خوت، تركوا التعب منحوت!









