
تحت شعار الصمود الثقافي، وتتويجاً لمسيرة جيلٍ أصرّ على إبقاء الشعلة المسرحية مضاءةً وسط عتمة الأزمات التي حاصرت وطناً بأكمله؛ وحيث بات الفن فسحة أملٍ تقاوم الحروب والظروف القاسية، أطلق “مسرح المونو” مبادرة رائدة قلّ نظيرها. فقد جاءت الدورة الأولى من “جوائز المونو” لتكرّم العطاء المسرحي بكافة أطيافه، محتضنةً المواهب الشابة جنباً إلى جنب مع كبار القامات الفنية. إنها انطلاقة لا تقتصر على التكريم فحسب، بل تسعى لتحفيز كل مهتمٍ وشغوف ومبتدئ، وصولاً إلى المحترفين، لتثبت أن المسرح اللبناني سيظل مساحة حرة تنبض بالحياة رغم كل التحديات.
ليلة ترفض الاستسلام للظلام
أطلق “مسرح المونو” الدورة التأسيسية الأولى لجوائزه، مرسياً بذلك دعائم احتفالية سنوية تهدف إلى الاحتفاء بالتميز والإبداع في المشهد المسرحي اللبناني. وقد حظي الحدث بتغطية مباشرة عبر شاشة “تلفزيون لبنان”، وسط حشد ضم أكثر من 260 شخصية فنية بارزة ، ونخبة من نجوم السينما وصناع الإعلام.
تقييم بعينٍ ناقدة ورؤية ثاقبة
بأمانةٍ فنية ومسؤوليةٍ نقدية عالية، أُسندت مهمة الغوص في أعماق الحصاد الإبداعي إلى لجنة تحكيمٍ مستقلة ترأسها الدكتور وليد دكروب؛ لتتولى تقييم أربعة عشر عملاً مسرحياً أضاءت عتمة الخشبة في مسرح المونو بين أيلول 2025 وتموز 2026. وقد اكتمل المشهد النقدي باحتضان اللجنة لسبع قاماتٍ وازنة من أهل الفن والأكاديميا، شكلت طيفاً متكاملاً من الخبرات، وضمت كلاً من: سوسن عواد، د. ربيع شامي، روزيت فاضل، فادي جانبار، سرمد لويس، د. ميرانا نعيم، وميساء حنوني يعفوري.

حصاد الدورة الأولى: الفائزون بجوائز المونو 2026
توزعت الجوائز لتشمل كافة عناصر العمل المسرحي في مشهد إبداعي متكامل؛ حيث حصدت مسرحية Chou Mnelbos للمخرج يحيى جابر جائزة أفضل عرض مسرحي، في حين تألق جو رميا بنيله جائزتي أفضل إخراج وأفضل اقتباس عن مسرحية Rihlet Hanzala، وهي المسرحية ذاتها التي شهدت تتويج بيا خليل بجائزة اكتشاف العام. بدورها، برزت مسرحية Radio Transistor من خلال فوز يارا زخور وأدون خوري بجائزتي أفضل نص أصلي وأفضل سينوغرافيا.
وعلى صعيد الأداء التمثيلي، ذهبت جائزة أفضل ممثل في دور أول إلى جوليان شعيا عن مسرحية La Misérable، بينما نالت ماريا الدويهي جائزة أفضل ممثلة في دور أول عن Qornet El Bayda وفي الأدوار المساندة، استحق علي بليبل جائزة أفضل ممثل عن Mensonge Blanc، وتوجت سلمى شلبي بجائزة أفضل ممثلة عن Hanne .
أما من ناحية التأثيرات البصرية والسمعية التي تكمل سحر الخشبة، فقد حصد هاغوب دير غوغاسيان جائزة أفضل تصميم إضاءة عن Al Wahesh ، وأبدع أنطوني يوسف ليخطف جائزة أفضل تصميم صوتي وموسيقى أصلية عن La Misérable، في حين آلت جائزة أفضل تصميم أزياء للثنائي برونو ورالف طبال عن L’Étrangère de Noel واكتمل عقد الفائزين بمنح جائزة لجنة التحكيم للشباب لسامر حنا عن عمله Aal Hawa Sawa.
تكريمات تعانق الإبداع والأجيال
بلغت الأمسية ذروتها بمنح “جائزة المونو” التكريمية عن مسيرة استثنائية للفنان القدير كميل سلامة، تقديراً لعطاءاته الراسخة في الذاكرة المسرحية اللبنانية. وفي خطوة تعكس الإيمان بالمستقبل وتواصل الأجيال، خُصصت جائزة لجنة التحكيم للشباب – “جائزة شارل بطرس نجيم”، والبالغة قيمتها 2,500 دولار أميركي، لتكون بمثابة رافعة مادية ومعنوية داعمة لكاتب مسرحي شاب، تسهم في تطوير وتكريس مشروعه الفني المستقبلي.





مجسم الجائزة: ذاكرة بصرية تروي حكاية الخشبة
لم ينحصر الإبداع في العروض والمواهب المكرّمة، بل امتد ليجسّد هوية الحدث بصرياً. فقد ابتكرت الفنانة اللبنانية كاتيا طرابلسي مجسماً فريداً لـ “جوائز المونو”، تتلاحم فيه وجوه متعددة ضمن منحوتة واحدة، في دلالة رمزية عميقة على تنوع الشخصيات، وتداخل الحكايات، والروح الجماعية التي يتنفس بها العمل المسرحي. وتنبثق من قاعدة المجسم زهور تنطق بأمل الإبداع الذي يأبى إلا أن يزدهر، حتى في أحلك الظروف وأكثرها قسوة.

رسالة ختامية: أضواء تأبى الانطفاء
ومن خلال نجاح هذه الدورة التأسيسية، يطمح مسرح المونو إلى تكريس هذا الحدث كمحطة سنوية محورية ترتقي بالمشهد الثقافي اللبناني. فالأمسية تجاوزت كونها مجرد منصة لتوزيع الجوائز، لتصبح احتفالية نابضة بالتضامن والصمود، ورسالة حب خالصة للمسرح اللبناني.





