
على خشبة المسرح، تقف سمر صالح لتروي حكايتها؛ لا بوصفها شخصية مستعارة، ولا من خلال دور منفصل عن تجربتها، بل باعتبارها صاحبة ذاكرة تُفتح مباشرة أمام الجمهور، بما تحمله من تنمّر وعنصرية وغضب وأسئلة تراكمت على امتداد سنوات. في العمل المسرحي الجديد «درجة تانية»، الذي يجمع سمر صالح بالاشتراك مع غسان قوجة، من كتابة ديمتري ملكي وإخراج شادي الهبر، يتحول العنوان منذ اللحظة الأولى إلى مفتاح لقراءة العرض: ماذا يعني أن يشعر إنسان بأنه موضوع في مرتبة أدنى، فقط بسبب لون بشرته؟

سمر، ابنة أب مصري وأم إريترية، عاشت ونشأت في لبنان. في طفولتها، لم يكن الاختلاف بالنسبة إليها قضية أو سؤالاً. كانت المدرسة والشارع والأصدقاء فضاءً طبيعياً لا تقسيم واضحاً فيه بين أبيض وأسود، إلى أن بدأ الآخرون يلفتون انتباهها إلى لون بشرتها، ويفرضون عليها وعياً باختلاف لم تكن قد اختبرته من قبل.
حادثة تنمّر في المدرسة كانت كافية لفتح جرح مبكر، ولتدفعها لاحقاً إلى سلسلة طويلة من الأسئلة المتعلقة بالشكل والهوية والانتماء. ومن أكثر الصور إيلاماً في شهادتها استعادتها محاولات حكّ بشرتها، وكأنها تسعى إلى التخلّص من اللون الذي جعل الآخرين ينظرون إليها بوصفها مختلفة.
هنا يبلغ العرض واحداً من أكثر مستوياته الإنسانية قسوة: حين لا يعود الطفل يسائل المجتمع الذي يؤذيه، بل يبدأ بمساءلة جسده نفسه، وكأن المشكلة تكمن فيه لا في النظرة التي تحيط به.
وعلى الرغم من أن هذه تجربتها التمثيلية الأولى، وأنها لا تأتي إلى الخشبة من خلفية احترافية في التمثيل، بدت سمر مرتاحة في حركتها وحضورها، وقادرة على حمل هذه المادة الحساسة أمام الجمهور. نعرفها من عملها في مسرح مونو، ونعتاد رؤيتها في فضائه، لكن انتقالها هذه المرة إلى قلب الخشبة كشف حضوراً مسرحياً واضحاً وإمكانات تستحق أن تُطوَّر في تجارب لاحقة.

إلى جانبها، يشارك غسان قوجة بأداء شبه صامت، مرتدياً الأسود طوال معظم العرض، فيبدو أحياناً كأنه ظلّ لذاكرتها أو امتداد جسدي لكلماتها. يتحرك خلفها ومعها، ويترجم بعض ما ترويه إلى إيماءات وحركات تعبيرية وراقصة، فتتشكل بين الاثنين علاقة مسرحية تقوم على التكامل أكثر من الحوار المباشر.
أما بصرياً، فتشكّل الشاشة الشفافة عنصراً أساسياً في السينوغرافيا، إذ تُبث عليها صور ومقاطع تستعيد مراحل مختلفة من القمع والعنصرية والاضطهاد التي تعرّض لها السود في أماكن متعددة من العالم. ولا تأتي هذه المادة البصرية كعنصر تزيني، بل كامتداد للسرد، يضع التجربة الشخصية لسمر في سياق إنساني وتاريخي أوسع.
وهنا ينجح العرض في الجمع بين مستويين متوازيين: ثورة خارجية ضد العنصرية والتمييز، وثورة داخلية تعيشها سمر في علاقتها بذاكرتها وجسدها ونظرة الآخرين إليها. وبين الشاشة والكلمة والحركة، تنتقل الحكاية من تجربة فردية في لبنان إلى سؤال أكثر شمولاً حول اللون والهوية وقبول الآخر.
ورغم اقتراب العمل في بنيته من مساحة «الكوميديا السوداء»، فإن العرض الذي شاهدناه مال بوضوح نحو التراجيديا. تراجع الضحك أمام ثقل الاعتراف، وسيطر الصمت والترقّب على الصالة، حتى بدا الجمهور وكأنه ينتظر، في كل لحظة، طبقة جديدة من الذاكرة أن تنكشف أمامه.

وفي أداء سمر إحساس واضح بالتفريغ؛ كأنها تحاول اختصار أربعين عاماً من الغضب والحزن والأسئلة في نحو خمسين دقيقة. لذلك بدت الخشبة في لحظات كثيرة أقل شبهاً بمكان للتمثيل وأكثر شبهاً بمساحة للبوح والاحتجاج والمواجهة والمصالحة مع الذات.
لكن «درجة تانية» لا تتوقف عند سؤال العنصرية. ففي العرض تفتح سمر أيضاً باباً آخر شديد الحساسية، إذ تشير إلى أنها بلغت الأربعين، وعاشت عمرها في لبنان، فيما لا تزال هي وإخوتها من دون الجنسية اللبنانية.
هنا تتجاوز المسرحية حدود السيرة الشخصية لتلامس سؤالاً اجتماعياً وقانونياً أوسع: ماذا يعني أن يعيش الإنسان عمره في مكان، وأن تتكوّن فيه ذاكرته ولغته وعلاقاته وحياته اليومية، فيما يبقى انتماؤه إليه ناقصاً على المستوى القانوني؟
إنها رسالة تتوجه إلى المجتمع أولاً، لمراجعة أشكال العنصرية والتنمر والأحكام المسبقة التي قد تبدو عابرة لمن يطلقها لكنها قد تترك آثاراً تمتد لسنوات، وتتوجه في الوقت نفسه إلى السلطات والمؤسسات المعنية كي تبقى قضايا الانتماء والحقوق والكرامة الإنسانية جزءاً أساسياً من النقاش العام.
في «درجة تانية»، لا تقف سمر صالح على الخشبة لتطلب الشفقة، بل لتستعيد حقها في رواية قصتها بصوتها.
ويبقى السؤال بعد إسدال الستارة: هل يولد الإنسان «درجة تانية»، أم أن المجتمع هو الذي يصنع هذه الدرجة ثم يضعه فيها؟








