جورج خبّاز في “بيروت شورتس”: دمعة على الخشبة وشارع في البترون يخلّد مسيرته

بين وجع الوطن النازف وأمل الإبداع الذي لا ينكسر، شهدت صالة السفراء في كازينو لبنان، مساء الأحد الأول من تشرين الثاني 2026، افتتاح الدورة العشرين من “مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة” (Beirut Shorts International Film Festival)، الذي ينظّمه “مجتمع بيروت السينمائي” برعاية وزيرة السياحة لورا الخازن لحود، وتقديم الممثلة ميا سعيد.
لم يكن الافتتاح مجرد استهلال لحدث سينمائي يوبيلي مؤهِّل لجوائز الأوسكار، بل تحوّل إلى تظاهرة وفاء استثنائية احتفت بمسيرة الفنان الشامل جورج خبّاز، بحضور حشد من الوجوه الفنية والثقافية والإعلامية وطلاب السينما والمسرح.
سام لحود: صناعة الجمال وتجسيد “الحلم اللبناني”
استهل رئيس ومؤسس “مجتمع بيروت السينمائي” سام لحود الأمسية بكلمة لامست جراح لبنان وأرض جنوبه المحروقة، مؤكداً أن القاعة تجمع الأكثر جمالاً والتزاماً وإيماناً بلبنان الموحّد. واعتبر لحود أن شعار المهرجان “قوة الشباب” هو نداء مستمر للأجيال الصاعدة، مشدداً على أنه في حرب التوازن بين الخير والشر تبرز مسؤولية الفنانين في خلق الجمال ونشر الحب.
وكشف لحود أن تكريم خبّاز تأخّر سنوات بسبب ظروف البلاد، ليأتي في الدورة العشرين امتناناً لفنان تمسّك بـ”السينما المسؤولة” و”المسرح المسؤول”، وحمل قضايا الإنسان من المحلية إلى العالمية، وصولاً إلى مشاركته في أعمال دولية بارزة مثل “يونان” لأمير فخر الدين والفيلم الكندي “Mille secrets mille dangers” لفيليب فالاردو. وقدّم لحود لطلاب الجامعات سيرة خبّاز ابن البيت البتروني الدافئ والمتواضع (بيت أبو جورج وأوديت) بوصفها تجسيداً حياً لـ”الحلم اللبناني”؛ فالطفل الحالم أمام التلفاز صار هو الشاشة، والفتى العاشق لأشرطة الفيديو (VHS) بات روح المسرح اللبناني، والتلميذ الذي لم يألف مقاعد المدرسة تحوّل إلى درس في كتب التربية الوطنية، والشاب الذي انتظر الحافلات تحت المطر والحر بين البترون والكسليك ليدرس بالجامعة غدا مكرّماً على منابرها، حاصداً جوائز أفضل ممثل من برلين وروتردام وهونغ كونغ إلى البحر الأحمر بعد أن حفر اسمه على أعمدة بعلبك.
شهادات رفاق الدرب… وشارع باسمه في البترون
تخللت الأمسية محطة وجدانية مع عرض فيلم وثائقي للمخرجة أورنيلا معلوف، تضمن شهادات لممثلين ومخرجين وكتّاب كشفت كواليس التعب والجانب الإنساني لخبّاز، على أن يُعرض لاحقاً بنسخته المطوّلة في صالات السينما. كما عزف الموسيقيان لوكا صقر ولاتيسيا القادمان خصيصاً من جنيف مقطوعات من مسرحياته بمشاركة الفنانة كريستيان نجار.
وحملت الليلة مفاجأة استثنائية حين أعلن رئيس بلدية البترون، مارسيلينو الحرك، إطلاق اسم “شارع جورج خباز” على أحد شوارع الأسواق القديمة في المدينة، وهو المكان ذاته الذي شهد تصوير مشاهد فيلمه الشهير “غدي” بإدارة المخرج أمين درّة.
جورج خبّاز: الفن نافذة الضوء ومانيفستو الخشبة
عند اعتلائه المنبر، غلبت الدموع جورج خبّاز، مستعيداً واقعة حدثت معه قبل عقد حين اتصل به والد طفل مريض (11 عاماً) في المستشفى ليخبره أن مسرحياته هي النافذة الوحيدة التي تنسيه ألم العلاج وتُضحكه. زاره خبّاز فوراً لتنشأ بينهما صداقة مستمرة بعد شفائه، معلقاً: “أدركتُ يومها أننا في الغرف الحزينة نكون شباكها الوحيد. الأعمق في رسالتنا أننا نصنع بلا وعي ظرفاً أفضل لإنسان بحاجته، فيصبح عملنا ملكاً لعوالم موازية تحتاجه أكثر منا. هذا هو أعظم إنجاز نحققه.”
وشكر خبّاز الحاضرين وفريق المهرجان وشقيقه الروحي نقولا خبّاز، خَاصّاً بالتحية الشاعر الكبير طلال حيدر (92 عاماً) الذي حضر خصيصاً من بعلبك. وفي ذروة تأثره، توقف عن القراءة ليُهدي التكريم بالدموع إلى والديه الحاضرين اللذين منحاه الحب والحرية المطلقة دون شروط، موجهاً تحية دافئة لشقيقتيه د. لارا ولورا وشقيقه نقولا.
واختتم خبّاز كلمته بـ”مانيفستو” مسرحي لخّص شغفه الوجودي بالخشبة:
“أصنع مسرحاً لأهرب من نفسي وإليها… لأوقف الزمن وأسبقه. كي لا تصدأ الستارة ولا يصدأ قلبي. لنتوحّد جميعاً على ضحكة واحدة، دمعة واحدة، وصمت مشترك. أنا المتفرّج المهرّج، تقيدني جاذبية الأرض نزولاً ولا تمنحني أجنحة الطيران إلا على الخشبة. أصنع مسرحاً لأطير، لأحب، لأثور… ولأصعد كل يوم كمن يركض نحو المرآة، ليتأكد أنه لا يزال هنا.”
ومع تواصل عروض المهرجان حتى السادس من تشرين الثاني في “سينما متروبوليس” مار مخايل، تبقى ليلة كازينو لبنان شاهداً حياً على أن الفن الصادق هو مرآة شعب ونافذة أمل لوطن يرفض الانكسار.









