غسّان سلامة يعيدُ للثقافة نبضها

وُفي بلادٍ يتقاسمها القلق وتتنازعها الأزمات، تبدو الثقافة غالبًا آخر ما يُلتفت إليه، كشمعةٍ تقاوم الريح وحدها. حمل وصول غسان سلامة إلى وزارة الثقافة اللبنانية شيئًا من ملامح الاستدراك؛ كأنّ الدولة، المنهكة من الخراب، قررت أن تُصغي إلى كتبها، وأن تُعيد ترتيب ذاكرتها قبل أن تتبدّد.
لم يتعامل سلامة مع الوزارة بوصفها إدارةً هامشية تُستدعى للمناسبات، بل رآها خزانًا لجوهر وطنٍ يوشك على فقدان هويته. كانت وزارة الثقافة، قبل عهده، أشبه بأرشيفٍ مرميّ في غياب النسيان. جاء إليها بعين الأكاديمي وخبرة الدبلوماسي، فردّ إليها دورها الطبيعي: أن تكون قلبًا نابضًا في جسد الدولة، لا ملحقًا من الكماليات على هامشها.

أولى سلامة الكتاب عنايةً لافتة، إيمانًا منه بأنّ الأمم تُقاس بصفحاتها لا بجلبتها. دعم معارض الكتب، وسعى إلى إعادة الاعتبار لدور النشر اللبنانية التي عانت اختناقًا اقتصاديًا قاسيًا. ولم يتردّد في حثّ الصغار على محبّة القراءة فقصّ على مسامعهم رواياتٍ مثيرة فيما تحلّقوا حوله بالمكتبة الوطنية بعيونٍ محملقة وآذانٍ صاغية.
ليس حضور سلامة في الفعاليات الثقافية بروتوكوليًا باردًا، بل مشاركةً واعية تُعيد وصل القارئ بالكاتب، وتذكّر بأن بيروت كانت دومًا مدينةً للكلمة الحرّة.
واتجهت الوزارة إلى تنشيط المكتبات العامة وتوسيع حضورها في المناطق، في مسعى لإعادة الكتاب إلى الحياة اليومية للناس، بدلًا من بقائه ترفًا نخبويًا، فتحوّل الفعل الثقافي من احتفالٍ موسمي إلى ممارسةٍ اجتماعية مستدامة، وإن كانت الطريق ما زالت طويلة أمام ترسيخ عادة القراءة في مجتمعٍ أرهقته الأزمات المعيشية.
أما في ملف الآثار والتراث، فبدا واضحًا أنّ الوزير يدرك أنّ لبنان مزيجٌ من الحضارات المتراكمة فحرّك مشاريع ترميم المواقع أثرية، وشدّد على حماية الأملاك التاريخية من الاعتداء والإهمال معتبرًا إياها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية وليس مجرّد حجارةٍ صامتة. كما فتح سلامة قنوات تعاونٍ مع مؤسسات دولية لإبراز الإرث اللبناني في معارض خارجية، في محاولةٍ لوضع التراث المحلي في سياقٍ عالمي، واستعادة صورة لبنان الثقافية عالميًا.
لا شكّ في أنّ سلامة حرّك المياه الراكدة في وزارة الثقافة، وأخرجها من سباتها الإداري إلى حراكٍ ملحوظ فأعاد إلى الوزارة حضورها الرمزي، وأطلق إشاراتٍ واعدة على طريق طويل. لكنه، في النهاية، يقف أمام معادلةٍ دقيقة: كيف تتحوّل الثقافة من مبادراتٍ لامعة إلى سياسةٍ وطنية دائمة؟ وكيف يُستثمر هذا الحراك في بناء إنسانٍ لبناني أكثر وعيًا لأهمية تراثه، وأكثر قدرةً على إنتاج معناه في عالمٍ متحوّل؟
وإذا كان سلامة قد نجح في إيقاظ الثقافة من سباتها، فإنّ التحدّي الأعمق هو في بقائها مستيقظة وتحوّلها من فعل مقاومةٍ إلى مشروع نهوضٍ دائم.




