«كذبة بيضا» لألكسندر نجار على خشبة “مونو”… المسرح فعلُ مقاومة ضدّ الحرب

في أيّ بلدٍ طبيعيّ قد تبدو زيارة المسرح فعلًا بسيطًا لا تستحق الوقوف عنده. يشذّ لبنان عن القاعدة، ففي لياليه التي تختلط فيها أصواتُ الحياة الآسرة بجلبة الخطر المُحدق يتحوّل هذا الفعل البسيط إلى موقفٍ مدوّ. إنّها ليلةٌ استثنائية: تصعيدٌ أمنيٌّ مروّع، طائراتٌ حربية تصمّ الآذان، وتهديداتٌ متتالية تبثّ الذعر في النفوس. لم يحُل ذلك كلّه دون تقاطر محبّي المسرح بالمئات الى “مونو”، رغمًا عن أنف أسياد الحرب، وكأنّهم ينتزعون مِن براثن هؤلاء قرار التحكّم بروتينهم ومصيرهم.

تعيدُ مسرحية “كذبة بيضا”- وهي من تأليف ألكسندر نجّار وإخراج لينا أبيض بمساعدة مابيل عبدو وسينوغرافيا رالف خوري وإضاءة محمد فرحات- إلى الخشبة إحدى أكثر الصفحات وجعًا في التاريخ اللبناني. تضعُها، لِسخرية القدر، في مواجهة حاضرٍ لا يقلّ قلقًا، وتنقلُنا إلى العام 1975، إلى بدايات الحرب الأهلية تحديدًا.
هي قصة جينو- (مثّل دوره الفنان الشاب أنطوني توما)- الشاب العشريني الواقف عند مفترقٍ مصيريّ بين ندائَيْ الجبهة والدراسة. أيّهما يختار؟ قرارٌ يلخّص مأساة جيلٍ كاملٍ وجد نفسَه فجأةً أمام واقعٍ لا يشبه أحلامه ولا طموحه.
ليست قصة شابٍ واحدٍ، بل هي مشهدٌ كاملٌ لبلدٍ يتفكّك: عائلاتٌ تتفرق، بيوت تتهدّم، وحيواتٌ تتوقّف بانتظار نهايةٍ لا تأتي. تبدو القصةُ مألوفةً إلى حدّ موجع. هي الدوامةُ نفسها التي عاشها اللبنانيون واستوطنت ذاكرتهم الجماعية.
يتميّز العرض بحيويّته اللافتة في الأداء وبإيقاعٍ سريعٍ ينتقل بسلاسةٍ بين ضحكٍ وبكاء. ويتقمّص الممثلون- أنطوني توما، جوزيان بولس، علي بليبل، مايا يمين، جو أبي عاد، جلال الشاعر، غاييل العايلة، علي فرحات، جوانا خلف، جاك مارون – أدوارهم بصدقٍ واضح، فيختبر المشاهدُ توتّرَ الحرب وكأنّه في أحضانها… لحظاتٌ من السخرية السوداء تتجاورُ مع برهاتٍ من الانكسار العميق. ويضفي التنقّل بين الفرنسية واللبنانية في الحوار بعدًا واقعيًا يعكس تنوّع المجتمع اللبناني الثقافي.

لا تكمن قوّة “كذبة بيضا” في استحضار الأمس، بل في تحويله الماضي مرآةً للحاضر، اذ ما زال لبنان اليوم يتخبّط في أزماتٍ سياسيةٍ واقتصادية وأمنية متلاحقة. وفيما يتابع الجمهور قصّة شابٍ ممزّق بين القلم والبندقية، يتبادرُ الى ذهنه سؤال يفرض نفسه بإلحاح: هل تجاوزنا فعلًا تلك المرحلة، أم ما زلنا ندور في دوّامتها؟ وتداخل الواقع الخارجيّ لهدير طائراتٍ حربيّة وجلبة غاراتٍ متتالية مع العرض، فأصبح الفرقُ بين الخشبة والحياة الحقيقية ضئيلًا إلى حدّ مخيف.

ولم يكن التصفيق عند نهاية العرض، مجرّد تحيّةٍ فنّية كما جرت العادة، بل بدا أقرب إلى لحظة تضامنٍ إنساني. تقدّمت مديرة مسرح “مونو” المناضلة جوزيان بولس إلى الخشبة لتخاطب الجمهور. لم تأتِ الكلمات بسهولة. اغرورقت عيناها بالدموع وهي تشكر كلّ مَن غامر بالحضور إلى المسرح رغم وابل الغارات والقذائف. ليست مسألةً بسيطة أن ترى جوزيان بولس، العصاميةُ التي تمتهنُ الفرح، تبكي وتُبكي الجمهور. تدركُ أن مجرّد لقاء الناس في قاعة مسرحٍ في مثل هذه الظروف هو إنجازٌ بحقّ ذاته، مقاومةٌ مِن نوعٍ نبيل، مقارعةٌ بالفكر والقلم والجمال. وهكذا بلحظةٍ مؤثرة حوّلت بولس القاعة كلّها الى حلقة مواساةٍ جماعية، مؤكدةً أنّ المسرح ليس ترفًا عند الأزمات، بل هو فعلُ مقاومةٍ تثبت أنّ الشعوب، مهما عصفت بها حروبٌ وأزمات لا تفقدُ توقها العميق إلى الحياة والجمال.
لم تكن مسرحية “كذبة بيضا” مجرّد استعادةٍ لذكريات الحرب الأهلية، بل كانت تذكيرًا صارخًا، تمامًا كما قالت بولس، بأنّ النسيان أخطر من التذكّر، وبأنّ الشعوب التي تروي قصصها المؤلمة بصدقٍ تملك فرصةً أفضل لتفادي تكرارها.
شكرت بولس الجمهور بحرارةٍ وتأثّر لحضوره لكن الأجدى أن نشكرها نحنُ على مثابرتها ونضالها الثقافي حتى آخر رمق. بالأمس ودّعتنا بولس الى منازلنا كما كانت أمهاتنا ترسلنَنا الى النوم بجهدٍ حثيث لإبقاء شعلة الحياة متّقدةً في أعماقنا رغم كلّ المصاعب والأهوال. وتلك شيمةٌ لبنانية. المفارقةُ الوحيدة هي أنّنا لم ننمْ. لم تتركنا الغارات والمقاتلات الحربيّة المغتصبة لفضائنا نُغمض جفنًا. ولكنّ ترياق جوزيان بولس الذي شربناه قبل برهةٍ على خشبة “مونو” كان كفيلًا بإبعاد شبح اليأس والاستسلام. نعم جوزيان سنقاومُ، كما قلتِ، ثقافيًا ومعنويًا، كُرمى للوطن ولأمّهاتنا اللواتي طالما ردّدنَ على مسامعنا بأنّ “الغد سيكون أجمل”…. وأمهاتنا دائمًا على حقّ!



