
ثمة ليالٍ لا تُقاس بعدد ساعاتها، بل بما تتركه في الوجدان من أثر وارتعاشات إنسانية صادقة. في عجلتون، وعلى ذاك الدرب الروماني القديم الذي كان يعبر الجبل ليصل بيروت بفقرا ومعابد الشمس في البقاع، تجمّع الفن والجمهور في ليلة 24 آب 2026 تحت قبة السماء، حول سؤال مشحون بالشجن والوفاء :”وينا ناي؟“
لم تكن الأمسية مجرد احتفال بمناسبة مرور سبعين عاماً على انطلاق مهرجانات بعلبك الدولية (1956–2026)، بل وقفة تضامن وجسر محبة أقامته بلدة عجلتون وفرقة Les Cordes Résonnantes لاحتضان لجنة المهرجان وتكريم تاريخها العريق، في ظل ظروف قاسية حالت دون إقامة الاحتفالات في قلعتها التاريخية هذا العام.
البحث عن “مُلهمة” بعلبك: رمزية الغياب والعودة
في حديث خاص مع إيلي صفير، أحد مؤسسي فرقة Les Cordes Résonnantes إلى جانب المايسترو جو ضو، يوضح الجوهر الفلسفي والوجداني الذي انطلق منه العرض:
تتمحور الفكرة حول استحضار الشاعر الفرنسي جان كوكتو الذي افتتح أولى دورات مهرجانات بعلبك عام 1956 وهو يستيقظ اليوم باحثاً عن إلهام مفقود لكتابة عمل جديد، فيطلق صرخته: “وينا ناي”.
“ناي” هنا ليست مجرد آلة موسيقية، بل هي الملهمة على غرار ربّات الفنون والإلهام عند الإغريق (Les Muses). إنها تمثل الفكر، الثقافة، الجمال، وروح بعلبك الحضارية. كوكتو ينادي ملهمته ليستعيد قدرته على الإبداع، وناي لن تعود إلا حين تعود المهرجانات، وحين يستعيد الوطن بهاءه وعزه وأيامه الجميلة.
على الخشبة، تجسدت هذه الرؤية التي كتبها الدراماتورج حسن مخزوم من خلال أداء الممثل نوح مقدم في دور كوكتو، ليعكس صراع الفنان مع الصمت والغياب، مؤكداً أن الفن اللبناني قادر دوماً على استدعاء ملهماته مهما اشتدت العتمة.
جسور من جمال: 70 عاماً في ساعة ونصف
وعن اختيار عجلتون لاحتضان هذه المبادرة، يشير صفير إلى أن البحث التاريخي كشف ارتباطاً جغرافياً وإنسانياً وثيقاً؛ فالطريق الروماني القديم الذي يربط الساحل بالداخل كان يمر بعجلتون ومحطاتها نحو فقرا وصولاً إلى معبد باخوس، إضافة إلى الارتباط التاريخي بشخصيات وطنية كالأستاذ أنطوان مدور (صاحب فندق كارلتون بيروت وأحد الأعضاء المؤسسين للجنة بعلبك). ومن هنا تحولت الأمسية إلى مبادرة لإعادة فتح هذا المسار الثقافي واحتضان لجنة المهرجان لتكريمهم وتقديم درع تقديري لجهودهم المستمرة.
ويختم صفير برؤية تختصر غاية هذا الجهد الفني:
“هذا العمل لا ينتهي بإسدال الستارة؛ حلمنا أن نبني جسوراً بين المناطق والقلوب في لبنان من خلال الفن. وكما قال دوستويفسكي: الجمال سيخلّص العالم (La beauté sauvera le monde). نحن نبني جسوراً من الثقافة والفرح والجمال، عوضاً عن جدران البغض والانقسام.”

حوار النغم والخلود: رحلة في الوجدان وتصفيق يعانق سماء عجلتون
تحت الإدارة الفنية وقيادة الأوركسترا للمايسترو جو ضو، لم يكن البرنامج الموسيقي مجرد سرد زمني لتاريخ مهرجانات بعلبك، بل تحوّل إلى ملحمة اختصرت سبعين عاماً من الإرث الفني في لوحات متدفقة، أسرت الحاضرين وأشعلت مشاعرهم طوال ساعة ونصف من الإبهار.
افتتاحية أوبرا كارمن و«نشيد العبيد»: هيبة البدايات وزئير الحرية
قاد المايسترو جو ضو ضربات الأوركسترا الأولى بافتتاحية أوبرا كارمن لجورج بيزيه، لتبث الحيوية تحت سماء الجبل وتستحضر فخامة المسارح التاريخية. تلاها مباشرة الأداء المؤثر لنشيد الحرية والمنفى الشهير “Va, pensiero” من أوبرا نابوكو لجوزيبي فيردي؛ حيث امتزجت وتريات الأوركسترا بأصوات جوقة جامعة سيدة اللويزة (NDU) في تصاعد كورالي مهيب، خيّم معه صمت تأملي مشحون في الهواء الطلق قبل أن يكسره تصفيق الجمهور الحار إعجاباً بقوة التعبير والتوزيع.
التجلي المشرقي: فاديا طنب الحاج ودوزان العود في حضرة جبران والرحابنة
وما إن أطلت السيدة فاديا طنب الحاج، حتى ساد ترقب دافئ في صفوف الحاضرين. أدت ترنيمة “المحبة“ للأخوين رحباني بصوتها المخملي العميق، لتمتزج بعدها نبرتها الرخيمة مع أنامل الفنان سمير نصر الدين الذي لامس أوتار العود برقة متناهية في قصيدة “أعطني الناي” (ألحان نجيب حنكش وكلمات جبران خليل جبران). تجاوب الجمهور في فضاء الأمسية مع كل قفلة غنائية بارتعاشات صادقة، وتحول المكان إلى مساحة من الحنين الخالص المتبادل بين الخشبة والحاضرين الذين ردد بعضهم الكلمات همساً مع نسيم الليل.
تحية الوفاء لمنغوي: نداء وجدي معوض وسحر موزارت وإلغار
بلغ الشجن ذروته في لحظة وفاء مؤثرة للراحل جان-لويس منغوي، رائد السينوغرافيا الذي ارتبط اسمه بأبهى محطات بعلبك؛ حيث صدح نص الكاتب وجدي معوض “Entendez-vous ma voix” (هل تسمعون صوتي) كصرخة حية تخاطب الغياب وتتردد في أرجاء المكان، لتتكامل بعدها دراما النص مع إيقاع الحركة الأولى السريعة من السيمفونية 40 لموزارت. وانتقلت الأوركسترا بسلاسة استثنائية نحو تأملات مقطوعة “نمرود“ (من تنويعات إنيغما لإدوارد إلغار)، وهي اللحظة التي حبست أنفاس الحضور وأدمعت عيون الكثيرين لشدة الرقة والعمق الإنساني المتدفق من الآلات الوترية تحت قبة السماء.

نبض التجدد وخاتمة اللقاء: متتالية قندلفت وأبو شبكة بصوت الكورال
ولأن بعلبك لا تموت بل تتجدد، قدّم المؤلف الشاب رمزي قندلفت تحفته «متتالية للعود والأوركسترا» المستوحاة من روح “الليالي اللبنانية”؛ حيث تداخلت ارتجالات العود الشرقية مع الهارموني الأوركسترالي المعاصر في حوار نال استحساناً وتصفيقاً مدوياً في أرجاء الموقع. وخُتمت الرحلة برائعة إياد كنعان “ارجع لنا مكان“ على بوح الشاعر إلياس أبو شبكة، بأداء متكامل بين سولو الغناء وكورال الـ NDU، لتهتز أرجاء عجلتون عند النوتة الأخيرة بعاصفة من الهتاف والتصفيق الحار وقوفاً (Standing Ovation)، تقديراً لليلة استعادت فيها الموسيقى نبض الحياة وروح الوطن الحقيقي.
وقع الأقدام على الأرض: الدبكة البعلبكية مسك الختام
لم يكن للأمسية أن تكتمل دون استحضار عنفوان الأرض وأصالتها؛ فبعد فيض النغم الكلاسيكي والشرقي، اشتعل المسرح المفتوح بلوحات راقصة من الدبكة البعلبكية التقليدية. ضربت أقدام الراقصين الأرض بإيقاع هادر ردّد صداه جبل كسروان، لترتفع حماسة الحاضرين بالهتاف والتصفيق الإيقاعي المتواصل، وكأن أعمدة باخوس نفسها حضرت لترقص فرحاً وعزاً، في مشهد جسّد التلاحم الحي بين التراث الشعبي العريق والموسيقى العالمية.
صدى الذاكرة في وجه النسيان
تكاملت الأمسية، التي أقيمت برعاية وزارة الثقافة، مع سينوغرافيا شاشات بصرية أعدتها سابين تركي وتقديم للأستاذ شارل حايك. لتثبت فرقة Les Cordes Résonnante ولجنتها الفنية والتنظيمية (جو ضو، إيلي صفير، نايري غزريان، سامر سعده، ومارك أبو عبد الله) أن نبض الإبداع اللبناني لا تشله الجغرافيا ولا تحجبه الأزمات؛ فحين يغيب الصوت عن أدراج باخوس قسراً، تعلو أصداء بعلبك في جبال لبنان، لتبقى «ناي» حارسةً لذاكرة الجمال، وعنواناً لأمل يتجدد مع كل نغمة وضربة قدم على تراب هذا الوطن.









