شو في ما في

«أسافر وحدي ملكًا» لأسامة الرحباني وهبة طوجي… تكريم منصور الرحباني بموسيقى خالدة

لم تكن المدينة في تلك الليلة مجرّد مكان، بل كائناً مبتلاً بالانتظار. المطر كان ينهمر كأنّه صلاةٌ غير منطوقة، يغسل الحجر والذاكرة معاً، ويقودنا إلى كنيسة الإخوة المريميين في الجميزة، حيث الضوء لا يسطع بل يهمس، وحيث الشموع لا تضيء بقدر ما تعلّق المعنى بين الأرض والعلوّ.

في الداخل، كان الصمتُ مخدّراً شفيفاً، يشبه حالة ما قبل الانخطاف. الأوركسترا لا تعزف لتملأ الفراغ، بل لتفتحه. الصوت يتخفّف من ثقله، يصعد، يدور، ثم يختفي في فضاء العاصفة، محمّلاً بشِعر منصور الرحباني وموسيقى أسامة، كأن الاثنين مادة واحدة لا يمكن فصلها. هنا لا تفاضل بين كلمة ونغمة؛ كلاهما يوقّع على مذبح السمع، وكلاهما يقود الرحلة.

لسنا في الأعالي، ولسنا في يقين لاهوتي. لا جنّة، ولا تعريف جاهز للإله. نحن في منطقةٍ رمادية، أقرب إلى حلم يقظة طويل، حيث يعود صوت جاد إلياس الرحباني كطيفٍ بعيد، لا ليحنّ، بل ليذكّر بأنّ هذا البيت الموسيقي لا يزال يتنفس من عمق جذوره. فالشِعر والموسيقى عند الرحابنة ليسا خيارين، بل شرط وجود. لا يكون الرحباني رحبانياً إن لم يكتب كما يعزف، وإن لم يُسمِع اللغة ويُنطق الصوت.

في النهاية، لا يبقى إلا الاعتراف. لقد دوّنتَ، يا أسامة، في سجل الموسيقى ما يصدّقه شِعر منصور. و«أسافر وحدي ملكاً» لم تكن عملاً يُسمع، بل مقاماً يُسكن. حملته في نشيدك كسرّ أبويّ، وتركته علامة تهتدي بها المدينة في لياليها الوحيدة، وفي وعودها المؤجّلة مع العاصفة. شِعر منصور هنا ليس نصاً يُلقى، بل جرحاً مفتوحاً للمدينة، يدور في أفلاك النفس، يولد من مخاض لا يعرف الاكتمال. يلتقط أسامة هذا التشظّي، ويقيم له في الموسيقى مأوى مؤقتاً: خيمة من نغم في صحراء الذاكرة، تصمد وسط جنون الريح وضجيج التاريخ. ثم يأتي صوت هبة طوجي، لا كزينة للمشهد، بل كضرورة. صوتها جائع لمعنى راقٍ، يشتعل حين يداهمه اللحن، ويتحرّر داخل تمرّد منضبط تقوده يد المايسترو. لحظة إنسانية كادت أن تضيع، تُنتشل من الرماد، وتُحمل على برقٍ عابر إلى خريطة بلا أسماء، إلى نافذة تطلّ على سرّ لا يُقال، بل يُحسّ. جوقة اللويزة، بقيادة خليل رحمة، تعمل بصمت صارم، كحارسٍ يقظ على تخوم الخطأ. الكلمة تُحمل من حنجرة إلى أفق، تبحث عن لغة مشتركة، وحين تستقرّ في مملكة اللسان، تخرج من غموض الصوت إلى وضوح الصورة، من الذبذبة إلى المعنى.

وبين سماع وسماع، ينفتح زمن آخر، يسمح لك أن تراقب المسافة بين العين والأذن، بين الرغبة والدهشة. هنا يبرز عزف عيّاد أنطوان خليفة على البيانو، وساري أنطوان خليفة على التشيلّو، حضوران لبنانيان داخل جسد أوركسترا أوكرانية، اختارهما أسامة بدقة العارف. أمام عزفهما، تتجمّد في منطقة وسطى: لا تصفيق داخلي ولا حياد كامل. العقل يطالب بضبط الانفعال، والقلب يتمرّد ويسأل: كيف يُقاوَم هذا السحر؟

Website |  + مقالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى