مسرح

«القرنة البيضا»… الوجع بأسلوب يحيى جابر … وماريا دويهي تكسب الرهان الصعب

ليس من السهل أن ينهض المسرح من مقاعده الخشبية ليهزّ اليقين، ولا أن يغادر المتفرّج الصالة وهو مدركٌ بأن ما شاهده لم يكن عرضًا، بل مواجهةً مع الذات. فَعلَها يحيى جابر مرّةً أخرى. في «القرنة البيضا»، يرفعُ لنا الستار لا عن مسرحيةٍ فحسب، بل عن مساحة اعتراف جماعيّ، يلتقي فيها الضحك بالاختناق، والذاكرة بالجرح، وينتصب المسرح كفعل إيمان وشفاء لا كترفٍ ثقافي.

منذ اللحظة الأولى، يُمسك النص بمشاعر المتلقّي مِن حيث لا يتوقّع. نصٌّ يتسلّل الى الأحشاء، لا لأنّه صادمٌ فحسب، بل لأنّه صادقٌ حتى القسوة. يضحك الجمهور… يدمعُ، ثم يصل الى قناعةٍ راسخة: إنّه بحضور مسرحٍ حقيقيّ لا يخجلُ من إنسانيّته ولا يهادنُ هشاشة الوجود.

يتركنا يحيى دومًا في فضولٍ مفتوح الأفق؛ في تعطّشٍ دائم الى عمله المُقبل. عن أيّ بقعةٍ جغرافية سيستولد نساءه في المستقبل؟ نترقّب أعماله بشغفٍ وكأنّ الضحك هو آخر ما تبقّى لنا كي لا نسقط.

في «القرنة البيضا» يعود يحيى جابر إلى جوهر مشروعه المسرحي: نصٌّ لا يهادن، ولا يُطمئن، ولا يقدّم إجاباتٍ جاهزة. منذ اللحظة الأولى، يتقدّم الكاتبُ بوصفه العقلَ المدبّر للعرض، صانع مساره ومناخه وأسئلته. يفتح الشمال اللبناني لا كخريطة، بل كذاكرةٍ مثقلة بالعنف والإيمان والتناقض، ويقودُ المتفرّج عبر طبقات التاريخ الاجتماعي والدينيّ بكتابةٍ حادّة، ساخرة، ومسؤولة في آن.

نصُّ المسرحية لا يراكم المآسي للتأثير فحسب، بل يُخضعها لقراءةٍ نقدية دقيقة. الثأرُ، جرائم الشرف، الحروب، المجاعة الكبرى، والدين بوصفه إيمانًا وسلطة في آن… كلّها عناصر تتحرّك داخل بناءٍ متماسك. يعرفُ متى يضغط ومتى يترك فسحةً للضحك، ذلك الضحك الذي لا يخفّف الألم بل يكشفه. هنا تتجلّى براعة جابر في السير على الحافة من دون السقوط في الخطابة أو الابتذال.

ويزداد النص ثقلًا حين نعي أن كاتبه، المسلم، يكتبُ عن التجربة المسيحية المارونية بجرأةٍ معرفية لافتة. لا يقترب منها مِن خارجها، بل ينفذُ إلى تناقضاتها وأسئلتها العميقة، مستدعيًا جبران خليل جبران لا بوصفه رمزًا جامدًا، بل كصوتٍ يُعاد اختباره في واقعٍ لبناني متصدّع. لا يحاكم جابر الإيمان، بل ما نفعله به.

يضعُ النصّ الكثيف، المعقّد، والمشحون أيّ ممثلة أمام امتحانٍ حقيقي. تدخل ماريا دويهي إلى الخشبة وهي تدركُ، بلا شك، أن الرهان ليس سهلًا. فجمهورُ يحيى جابر اعتاد لسنواتٍ طويلة حضور أنجو ريحان، الاسم الذي ارتبط بمسرحه وترك أثرًا عميقًا في ذاكرة المتلقّي. والمقارنة، في مثل هذه الحالات، ليست احتمالًا بل قدرًا لا مفرّ منه.

في «القرنة البيضا» يعود يحيى جابر إلى جوهر مشروعه المسرحي: نصٌّ لا يهادن، ولا يُطمئن، ولا يقدّم إجاباتٍ جاهزة. منذ اللحظة الأولى، يتقدّم الكاتبُ بوصفه العقلَ المدبّر للعرض، صانع مساره ومناخه وأسئلته. يفتح الشمال اللبناني لا كخريطة، بل كذاكرةٍ مثقلة بالعنف والإيمان والتناقض، ويقودُ المتفرّج عبر طبقات التاريخ الاجتماعي والدينيّ بكتابةٍ حادّة، ساخرة، ومسؤولة في آن.

نصُّ المسرحية لا يراكم المآسي للتأثير فحسب، بل يُخضعها لقراءةٍ نقدية دقيقة. الثأرُ، جرائم الشرف، الحروب، المجاعة الكبرى، والدين بوصفه إيمانًا وسلطة في آن… كلّها عناصر تتحرّك داخل بناءٍ متماسك. يعرفُ متى يضغط ومتى يترك فسحةً للضحك، ذلك الضحك الذي لا يخفّف الألم بل يكشفه. هنا تتجلّى براعة جابر في السير على الحافة من دون السقوط في الخطابة أو الابتذال.

ويزداد النص ثقلًا حين نعي أن كاتبه، المسلم، يكتبُ عن التجربة المسيحية المارونية بجرأةٍ معرفية لافتة. لا يقترب منها مِن خارجها، بل ينفذُ إلى تناقضاتها وأسئلتها العميقة، مستدعيًا جبران خليل جبران لا بوصفه رمزًا جامدًا، بل كصوتٍ يُعاد اختباره في واقعٍ لبناني متصدّع. لا يحاكم جابر الإيمان، بل ما نفعله به.

يضعُ النصّ الكثيف، المعقّد، والمشحون أيّ ممثلة أمام امتحانٍ حقيقي. تدخل ماريا دويهي إلى الخشبة وهي تدركُ، بلا شك، أن الرهان ليس سهلًا. فجمهورُ يحيى جابر اعتاد لسنواتٍ طويلة حضور أنجو ريحان، الاسم الذي ارتبط بمسرحه وترك أثرًا عميقًا في ذاكرة المتلقّي. والمقارنة، في مثل هذه الحالات، ليست احتمالًا بل قدرًا لا مفرّ منه.

عرفت دويهي كيف تكسب هذا الرهان بهدوءٍ وذكاء. لم تحاول كسر الصورة السابقة ولا تقليدها، بل اختارت طريقها الخاص. راهنت على النص، على الإصغاء العميق له، وعلى بناء شخصياتها من الداخل. ومع تقدّم العرض، ينسحب شبح المقارنة تدريجًا، لا لأن الذاكرة تُمحى، بل لأنّ الحضور الجديد يفرض شرعيّته الخاصة. لم يكن إعجاب الجمهور مجاملةً، بل ثمرة أداءٍ متوازن، صادقٍ، ومحسوب.

بلهجة الشمال الدقيقة، أدّت دويهي شخصيات نسائيّة كتبها يحيى جابر بصرامةٍ وحنان. لم تُفرِط في الانفعال… لم تُبرّد الألم، بل حافظت على تلك المسافة الضرورية بين التمثيل والاعتراف. وفي المقاطع الغنائية، جاء صوتها مكمّلًا للمعنى، لا زينةً إضافية، فبقي العرض متماسكًا ومخلصًا لرؤيته.

«القرنة البيضا» عملٌ يُثبت مرة جديدة أن المسرح فعلُ كتابة قبل أن يكون فعل أداء. يضع جابر النص في الصدارة، يصيغه نصًا جريئًا، نقديًا، ومشحونًا بالأسئلة. وتنجح دويهي في حمله إلى الخشبة، وفي كسب جمهور يعرف جيدًا كيف يقارن ولا يصفّق إلا حين يقتنع. هي إذًا شراكةٌ واعية بين كاتبٍ يعرف ثقل ما يكتب، وممثلةٍ تعرف صعوبة ما تؤدّي.

وفي هذا التوازن، يولدُ مسرح يُشاهَد ويُفكَّر فيه طويلًا بعد انطفاء الضوء.

سليمى شاهين
صحافية |  + مقالات
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى