الفنان المتألّق ماتيو الخضر: ترقّبوني في إنتاجٍ عالميّ ضخم

هو حالةٌ فنيّة متكاملة، كتلةٌ من المواهب وصــوتٌ نـــادرٌ مـــن فــئة “الــكاونــتر تينور” (Countertenor) لــه الــفضـل الـأول فــي إدخال موسيقى “الباروك” إلى الشرق الأوسط. من توقيعه عقودًا عالمية مع “يونيفرسال ميوزيك” وهو في ربيعه الثامن عشر، إلى انفجار بيروت المروّع الذي دمّر منزله بالكامل، الى مشاركته في نسخة “ذا فويس” الفرنسية، يأخذنا الخضر بحوارٍ شفاف مع “بيروت كولتور” في رحلةٍ مشوّقة بين غناءٍ ملائكي وتشكيلٍ نابض وأزياءٍ أنيقة كاشفًا نواحٍ من شخصيته تحكي أسرارًا كثيرة عن الصمود ومسيرة إعادة بناء الذات، ومداواة الحزن بالفنّ.

من هو ماتيو الخضر بتعريفٍ وجيز؟
ولدتُ ببيروت في كنف عائلةٍ مثقّفة كثيرة السفر والاطلاع، بجذورٍ يونانية ولبنانية. كان والداي يحبّان الفن رغم عدم امتهانهما له. كانا يعشقان كلّ ما هو جميل: الفنون، الأثاث، القصر البديع الذي ولدت فيه. ورثتُ هذا التعطّش الدائم للجمال منهما. وحين تكون طفلًا فضوليًا مثلي، محاطًا بالجمال طوال الوقت، يتشبّع ذوقك به في الميادين كافةً؛ سواء في الموسيقى، أو التشكيل، أو الأزياء. ويمدّك الأمر بإحساسٍ رائع.
هل ورثتَ الصوت منهما؟
كانا يحبّان الموسيقى؛ ليس الغربية وحدها، بل الشرقية كذلك. يعشقان الأوبرا وفي الوقت نفسه الروك والبوب والطرب العربي وحتى الأغاني الشعبية الخفيفة/ فكنا في منزلنا نصغي الى كلّ ما هو جميل، وكنت طفلًا أهيم في عالمٍ من الأصوات الرائعة بفضلهما.
كيف عرفتَ أنك موهوب؟
ولدتُ بهذا الصوت الذي عرفتُ لاحقًا أنه يســمّــى بــالـ”كــاونــتــر تـــيـــنور” (Countertenor)، وهي فئةٌ صوتيّة نادرة عند الرجال. وقــعــتُ عــقداً مع الـ”يونيفرسال ميوزيك” وغادرتُ إلى باريس في عــمـر الثــامــنة عــشـرة حيث نــمّــيــت مــوهبتي فتحوّلت مهنةً أعشقها، وأصدرتُ ألبوماتٍ أحضرتها لاحقًا معي إلى بيروت. تعزّزت ثقتي بنفسي في تلك الفترة لأنّني كنت أقدم فنًا متعارفًا عليه عالميًا.

لماذا فرنسا بالذات؟
أعشقُ لبنان بطبعي، ولكن فرنسا موطنُ الفنون ومنبعها خصوصًا لناحية الموسيقى والكونسرفتوار. لأني أؤدي موسيقى الباروك (Musique Baroque) بصوت الـ”كاونتر تينور”، كان عليّ أن اتخصّص إما في إيطاليا، أو في ألمانيا، أو في باريس. صحيح أنني استقرّيت في باريس حين وقّعت عقدًا مع الـ”يونيفرسال ميوزيك”، لكنّني كنتُ كثير السفر الى مختلف أنحاء أوروبا للمشاركة في ورش عملٍ متقدّمة في ألمانيا، وروما، ونابولي. أوروبا أرض الفرص فيما تنعدم أفق الانطلاق من لبنان نحو العالمية للأسف.
وهل لقيت ألبوماتك نجاحًا؟
أطلقت ألبوماتي في عامَيْ 2006 و2007 في باريس وأحضرتها معي إلى بيروت فأدخلتُ صوت الـ”كاونتر تينور” إلى الشرق الأوسط. دُعيتُ لاحقًا من الشيخة موزا للغناء بدار أوبرا “كتارا” في الدوحة بقطر ؛ وأحدث الموضوع ضجةً كبرى آنذاك.

وكيف شاركتَ في نسخة “ذا فويس” الفرنسية؟
كان ذلك عقب فترة من الأزمات المتلاحقة في لبنان ودخولنا مرحلة الانهيار الاقتصادي الكبير. اتصل بي القيّمون على البرنامج وكانوا قد عبّروا لي في فتراتٍ سابقة عن رغبتهم بتضمين البرنامج مشاركين لبنانيين، وما كنت حينها جاهزًا للمشاركة. لكن موقفي تبدّل بعد انفجار الرابع من آب 2020؛ حين شعرتُ بمسؤوليةٍ كبرى تجاه بلدي المنهار وكنت أنزل يوميًا للتظاهر في الشارع. لم أتردّد في المشاركة لتمثيل بلدي الجريح واستدارت لي الكراسي الأربعة وكانت تجربةً رائعة، لكن سرعان ما اجتاح وباء كورونا العالم بعد مشاركتي بفترةٍ وجيزة؛ فلازمتُ المنزل قسرًا كغيري من الناس وعجزتُ عن السفر.


بعض الفنانين اعتبر انّ وباء كــورونـــا كــان فــرصةً لاعادة تعرّفهم الى ذاتهم.
أنا رجلٌ متصالحٌ مع نفسي ولستُ بحاجةٍ الى وباء لأعرف نفسي خصوصًا أنني عشتُ وحدي في ريعان شبابي بباريس حين كنتُ في الثامنة عشرة من عمري.
أحبّ العيش وحيدًا بطبعي ولا أشعرُ بالملل أبدًا لأنني أركّز على عملي وأخطّط لمستقبلي. كنتُ سعيدا في فترة “كورونا” لأنني وجــدتُ فرصةً للبقاء في المنزل ولتنمية مواهب تركتها في الدرج.
كالفنّ التشكيلي مثلًا؟
تمامًا، فأنا رسّام قبل أن أكون مغنيًا؛ ودرستُ الفنون الجميلة في باريس. وبما أن الغناء في العلن لم يكن متاحًا أثناء “كورونا” أطلقت العنان لموهبة الرسم. كنت كذلك أغني وأعطي دروسًا عبر الإنترنت، لكن لا أمر يضاهي تسجيل فيديو “حيّ” ونشره على إنستغرام.
أيّهما الأقرب الى قلبك الأوبرا أو الرسم؟
إنهما مختلفان تمامًا. الرسمُ فنٌّ فرديّ بامتياز فأنا أجلسُ وحدي لأرسم. أنقذني الرسمُ من حزني الدفين وليس الغناءوحين فقدتُ والدي منذ سنتيْن. صودف أنّ معرضي كان بعد شهريْن فأطلقتُ العنان لمشاعري كعلاجٍ نفسي واختليتُ بنفسي… بكيتُ… ضحكتُ…. استسلمتُ للذكريات… كلّ ذلك وأنا أرسم. أما الأوبرا فلا تمارسه وحدك/ فأنتَ لا تتمرّن وحدك ولا تؤدّي لنفسك بل لجمهورٍ عريض. كما أنّ أمسية الأوبرا قائمةُ على تفاعلك مع الجمهور. حين أقفُ على المسرح، يمدّني الجمهور بطاقةٍ كبيرة فأبادلهم العرفان بأداءٍ يليق بحماستهم وتشجيعهم.

كيف عشتَ انفجار بيروت ومنزلك على مرمى حجر من المرفأ؟
لحسن حظي أنّي كنت بمنطقة فردان أمارس الرياضة حين وقع الانفجار. تدمّر منزلي بالكامل وتحوّل إلى حطام. كلّ ما تراه حولك الآن إما مُرمّم أو مُستبدَل. كانت فترةً عصيبة تخلّلتها كذلك سرقة مدّخراتنا في المصارف. تبخّرت العقود وضاعت الأموال ولكنني لم أستسلم لليأس لأنني مؤمنٌ بالنهوض مجددًا وإعادة بناء الذات فتلك هي طينة الفنان الحقيقي.
من ينافسك اليوم برأيك؟
لا أحد ينافسني في لوني الغنائي حاليًا لأنني “الكاونتر تينور” الوحيد في البلاد، والوحيد الذي يغني لون “الباروك”. لذا لا منافسة على صعيد الأصوات. لكني في منافسةٍ دائمة مع نفسي، فأنا أطمح للوصول الى أفضل نسخةٍ مني. يكمن التحدي الأساسي في لبنان، في عدم تقبّل الناس لموسيقى “الباروك” التي أدخلتها الى المنطقة منذ حوالي 18 سنة فهم يجدونها بالغة الصعوبة وهذا تحدٍ كبير لي. هل أقدم لهم برنامج “باروك” رائع يتراوح بين فيفالدي وهاندل وموتزارت فيما يريدون أغان رومانسية إيطالية معروفة. يا أخي نحن لسنا على متن رحلة بحرية إيطالية! أنا كاونتر تينور! هذا تحدٍ كبير وتلك منافسة كبرى بيني وبين نفسي: هل ألبي رغبتهم بغناء ما يريدون أم أغامر بالتمسّك بالباروك؟ أحاول مجاراة السوق؛ لكن ما يسعدني ويحزنني في آن هو اضطراري للسفر الى الخارج لأغنّي ما أريد، والعودة الى لبنان لأداء ما يرغب به جمهوري.
هوليوود وأزياء
ماذا عن التمثيل ومشاركتك في نسخةٍ هوليوودية معرّبة مثل شيكاغو (Chicago) مع روي ونايلة خوري على خشبة “كازينو لبنان”؟
طاقم “شيكاغو” أجمل فريق عملت معه. مجموعةٌ من المواهب المحترفة في الإنتاج نفسه. وهو فعلًا عملٌ جماعيّ على قدرٍ كبير من الاتقان والاحتراف والتعاون. سنعرض المسرحية مجددًا وهذا سرٌّ أفشيه لـ”بيروت كولتور” ولا يعرف به أحدٌ بعد. شكّلت المسرحية تحديًا كبيرًا وشهدت نجاحًا كبيرًا يفوق التصوّر.

كان دورك فيها جريئًا.
فعلًا. أدّيتُ دور الـ”دراغ كوين” (Drag Queen) لأوّل مرة في حياتي. لستُ من ممارسي هذا الفنّ شخصيًّا لكنّني أقدّره وأحبّه. كنّا مُتحمّسين للغاية وخائفين من النتيجة، لكن الجميع من سياسيّين الى الى نقّاد وصولًا الى عامّة الشعب أحبّوا العمل.
أحببتُ التمثيل فشاركتُ كذلك في فيلم “خبصة”، ومسلسلَيْ “شتي يا بيروت” و”بيروت 303″ حـيــث قــدّمــتُ الموسيقى التصويريّة بصوتي. ومثلت في “Escort Boys” في باريس.
بــهـــذا المـعنى أنـــا فنّانٌ متكامل، ولا يمكن حصري بخانةٍ واحدة.
نستشفُّ لديك ميلًا كبيرًا الى الموضة والأزياء، وتجمع أمورًا غريبة…
لديّ أسلوبي الخاصّ في الملبس وأناقةٌ تميّزني عن غيري لذا تجدني ألجأ الى مصمّمين لتطريز ثيابي. وغالبًا ما اعتمدُ على الأوشحة (Capes)، والتيجان في إطلالاتي. ثمة طابعٌ ملكيّ في فنّي ولا أحد ينافسني هنا أيضًا. أقوم بعرض أزياء من حينٍ الى آخر، لكنني لستُ ممشوق القامة بما يكفي لاتخاذ الأمر مهنةً دائمةً لي. أستطيعُ أن أكون سفيرًا لبعض العلامات التجارية.
كيف تقرأ ظاهرة الشهرة عبر وسائل التواصل؟
ثمة مواهب جيّدة تستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي لاكتساب الشهرة تمامًا كما تزخر هذه الوسائل ببعض الظواهر الشاذّة. وتكون متابعتك لأصناف الفنانين حسب الخوارزمية (Algorithm) التي تسجّل اهتماماتك الخاصة؛ وتفصّل المحتوى على قياس أهوائك، فإن كنت تحبّ المحتوى الرصين وجدته بانتظارك دومًا. اتأنى في اختياراتي شخصيًّا، ومعياري الرقي بعيدًا عن الابتذال، ولكنّي لا أحكم سلبًا على وسائل التواصل فقد عرّفتني على كثيرٍ من الموهوبين كشابٍ لبنانيّ وقعت عليه أخيرًا يحوّل الأغاني العربية إلى نمط الـ“جاز” بأسلوبٍ رائع، وثمة شخصٌ آخر يدعى عمار يحوّل أغاني هيفاء أو نوال الزغبي الى نمط “القوطية” (Gothic)، بطريقةٍ مبتكرة. بالتالي قد تجد العبقريّ والمُبتذل في آن على وسائل التواصل وعليك الاختيار.
ما هو جديدُك حاليًا؟
لديّ كثيرٌ من المشاريع المستقبلية. أنا في تجدّدٍ دائم ولا أراوح مكاني، فذلك بمثابة موتي فنيًا ويدخلني في حالة اكتئاب. انطلق اليوم، بالتعاون مع الإخوة بيرمان، الحائزين على جائزة غرامي العالمية، في إنتاج عالمي دوليّ ضخم يضعني على الساحة الموسيقيّة الدولية. ترقّبوني في هذا العمل قريبًا.
كيف تحافظُ على صوتك؟
الصوتُ عضلة تدرّبها بالتمارين وأحرص على التجديد دومًا وأتقبّل النقد البناء بصدرٍ رحب فأنا مثلًا أصغي الى عازف الكمان ماريو الراعي حين ينصحني بأن أغنيةً ما لا تصلح لصوتي. أثقُ به لأنّه ضليعٌ بالمهنة ويعمل مع فنانين كبار على غرار ماجدة الرومي وعبير نعمة. لا أجد في الأمر انتقاصًا من قيمتي بل بالعكس ينمّ ذلك عن ذكاءٍ لرغبتي في تطوير نفسي بشتّى السبل.
غناؤك الأوبرا بالعربية من باب التجديد إذًا؟
جمهوري طالبني بذلك. كنت سابقًا أحصر نفسي بموسيقى “الباروك” ولكن حين رجعت إلى لبنان أصغيتُ إلى جمهوري ولبّيتُ رغبته لأنّني مؤمنٌ بالتفاعل الجميل القائم بيني وبينه. تجنّبتُ الاغاني الهابطة فأدّيتُ أغنياتٍ لفيروز مثل “أعطني الناي وغني” ولأسمهان وكانت النتيجة رائعة.



