«العرض الكبير» لـطوني مخّول على إيقاع الصواريخ … مواجهة الحروب بالفنّ

في ليلةٍ لم تكن تشبه أمسيات الترف، كانت المنطقة تشتعل بنيران الصواريخ فيما الأنوار تشعّ في كازينو لبنان. هناك، على الخشبة المذهّبة، قدّم طوني مخول «العرض الكبير»، فيما الأخبار تتقاطر عن اغتيال علي خامنئي وسقوط أربعين قائدًا إيرانيًا في مشهدٍ يختصر انفجار الحرب العالمية الثالثة. كان التاريخ يُكتب بالصواريخ، بينما تكتب الموسيقى مشهديةً اعتراضية بين سطرين من الدم.
امتلأت الصالة بحشودٍ توافدت لا لتحتفل، بل كأنّها تفاوض الخوف. تصفيقٌ كثيف، ووجوهٌ مشدودة، كأنّ الحاضرين يعقدون هدنة شخصية مع الكارثة. هل كان الحفل تمرينًا على الصمود رغم المحيط المتهاوي كحجارة الدومينو؟ أم كان إعلانًا مضادًا بأنّ الفنّ لا يموت حتى لو تدحرجت رؤوس كبيرة؟ في تلك المفارقة تحديدًا، وُلد المعنى النقدي للأمسية: تزامنٌ فاقع بين موسيقى تُبشّر بالحياة، وخرائط تتشظّى فوق طاولات السياسة.
أكثر من مائة فنان، بين عازفٍ وراقص، اصطفّوا كأنهم جيشٌ من نوعٍ آخر؛ جيشٌ لا يحمل إلا الإيقاع. العناية بالتفاصيل بدت محاولةً لإتقان الجمال في زمن الفوضى. الأوركسترا الكبيرة عزفت مقطوعاتٍ تتقدّمها عناوين مضيئة على الشاشة، فيما الكوريغرافيا تتشابك مع المؤثرات البصرية في مسعى لخلق عالمٍ موازٍ، أقلّ قسوة من نشرات الأخبار.


استُهلّت الأمسية بتحية للبنان الجريح، وللجيش اللبناني، في خطابٍ وطنيٍّ بدا أقرب إلى تميمةٍ ضدّ العاصفة.
غنّى نادر خوري «شو بحبك يا وطني»، ورُفعت النبرة إلى سقفٍ عاطفيٍّ عالٍ، كأن البلاد تحتاج جرعةً مضاعفة من الغناء كي لا تسقط في هوّة اليأس. تنوّع الرقصُ بين الباليه والفالس والسالسا وحتى الرقص بالشرائط. تنوّعٌ محسوب كي لا يملّ المتفرّج، لكنّ كثافته بدت أحيانًا كأنّها تحاول إغراق الحزن بالفرح. وكأنّ مخول يدرك أن الإيقاع إذا تسارع بما يكفي، قد لا نسمع ارتطام الواقع.
في فقرة «الأساطير التي لا تموت»، مرّت صور أينشتاين وبيتهوفن وستيف جوبس وماريا كالاس وماري كوري وسلفادور دالي وهيتشكوك ووالت ديزني وأنطونيو غاودي وشوبان. احتفاءٌ بعباقرةٍ غيّروا العالم، فيما العالم يتغيّر الآن على نحوٍ أكثر وحشية. المفارقة موجعة: التاريخ يُنتج رموزه بالإبداع، والسياسة تُنتج رموزها بالاغتيال.
أما «الأزهار المتيبسة»، فكانت رسالةً إلى ضحايا الحروب وجياع الأرض. لقطاتٌ لأطفالٍ أنهكتهم المجاعة، ووجوهٍ مطفأة تحت سماءٍ بلا عدل. هنا، اقترب العرض من حافة الحقيقة: الفنّ لا يملك أن يوقف رصاصة، لكنه يستطيع أن يشير إلى جرحها.


العرض مقسَّمٌ إلى معزوفاتٍ تحمل رسائل، تصاحبها عروضٌ من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان.
ويُحسب لطوني مخول ولعه بالتفاصيل الدقيقة؛ يلتقط الجزئيّ الهارب كما يلتقط الرسّام خيط الضوء على حافة الظل. أما ساندرا عباس، فقد أحكمت هندسة الرقص إحكامًا جعل البهجة نظامًا لا فوضى فيه؛ ألوانٌ زاهية تتعانق بلا صخب، وحركاتٌ مصقولة لا يعتريها ترهّل، حتى لتظنّ العين أنها تشرب الضوء شربًا ولا ترتوي.

وحين اعتلى المسرح الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، حاملاً أغنيته الفرنسية «وحيد من دونك»، انفتحت نافذة رومانسية على مساءٍ مثقلٍ بالعواطف.

ومن أميركا اللاتينية أدّت بولينا أغنية «الحب الفريد»، فسكبت دفئًا استوائيًا في قلب القاعة. ثم انطلقت «رقص للذكرى»، فإذا بالمسرح كلّه يتمايل، لا الراقصون وحدهم؛ الخلفيات تتحوّل إلى طائرةٍ في السماء، تتهادى كما لو أن الهواء نفسه يرقص، والمضيفون والركّاب يشاركونها الخفّة. لحظةٌ تذوب فيها الحدود بين المشهد والخيال، ويصير التمايل لغةً جامعة بين الأرض والفضاء.


نحو عشرين مقطوعة قادت الجمهور في «رحلة سفر» بين كوبا والبرازيل وأوروبا. سالسا، ألوان لاتينية، زخّات مطرٍ افتراضية على الشاشة في «رجاء ابقَ». كانت الشاشة تمطر بينما السماء السياسية تمطر نارًا. ذلك التوازي الحادّ بين مطرٍ جماليٍّ ومطرٍ ناريٍّ منح الأمسية توتّرها الحقيقي.
في الختام، جاءت «سوا سوا» دعوةً جماعية إلى الغناء. الجميع على الخشبة، كأنهم يقولون إن الخلاص في الاجتماع، لا في التفرّق. لكن الخارج كان يقول شيئًا آخر: إن الاجتماع نفسه صار هشّاً أمام خرائط الدم.

«العرض الكبير» كان محاولةً نبيلة لتكريس الجمال، غير أنّ تزامنه مع ليلة اغتيالٍ مفصلية في تاريخ المنطقة جعله أكثر من مجرّد أمسية موسيقية. لقد صار مرآةً لمفارقةٍ دامية: نحن نرقص على حافة الهاوية، ونصفّق كي لا نسمع صوت السقوط.



