مارسيل غصن: الفن غوص في النفس البشرية و”دبدوب” شريكي المثالي في الإبداع المسرحي اللبناني

في عالم الفن قلّةٌ هم مَن يجمعون بين الشغف الأكاديمي العميق والموهبة الفطرية الجامحة. مارسيل غصن هو مخرجٌ، كاتبٌ، ممثلٌ، وأستاذٌ جامعيّ يحمل في جعبته أربع شهاداتٍ عليا وخبرةً تمزج بين المسرح والسينما. عُرف بجرأته في الطرح، وبقدرته على تحويل الجماد إلى شريك في البطولة، كما فعل في مسرحيته “أرق” (Insomnia) التي تشارك فيها البطولة مع “دبدوب”. يغوص في النفس البشرية ليكشف عن خباياها، سواء من خلال “دمية” على المسرح، أو عبر رجلٍ مشلول يراقب خيانة عائلته بصمتٍ في السينما. “بيروت كولتور” التقت المخرج والممثل مارسيل غصن، فدار حوارٌ مشوّق حول فلسفته الفنية، وعن الخطّ الفاصل بين العملَيْن التجاريّ والثقافي، وواقع الفنّ في لبنان.

أخبرنا عن “الدبدوب” وكيف اخترته زميلَ خشبة في مسرحية “إنسومنيا” (أرق) التي عرضتها في السنوات الماضية؟
كنت أكتب المسرحية على أساس مشاركة الخشبة مع ممثلٍ آخر؛ ولكنه كان دوام الاعتذار لأسبابٍ مختلفة. عانيتُ من الأمر كثيرًا، فقرّرت اعتماد صيغة “المونودراما” (Monologue). ومن باب المصادفة كنت وصديقي إيلي صايح نزور متجرًا للدمى. فخطرت لي فكرة أداء الدور مع دمية. تجوّلت في المتجر، فرأيتُ دُمى بأحجامٍ وألوان مختلفة. لفت انتباهي “دبدوب” جميل مُلقى في زاويةٍ مهملة يرتدي قميصًا رُسِم عليه علمٌ أميركيّ. اشتريتُه ونزعتُ عنه العلم ووضعت له نظاراتٍ طبية، واتخذته زميلًا على الخشبة.
ما الذي ميّز الدب عن الممثل الحقيقي؟
جهوزيّته الدائمة للتدريبات في الثالثة أو الرابعة أو الخامسة فجرًا. فهو لا يتذرّع بتعطّل سيارته او افتقاره الى الملابس، وحين تضربه لا يصيح “آخ”! والأجمل أنه يجبرك على إتقان التمثيل؛ خصوصًا انّ بذل الجهد الأساسي يكون على عاتقك؛ فهو لا يتكلم ولا يتحرّك؛ وبالتالي تنحصر مسؤولية إنجاح العمل بك شخصيًا، وساهم ذلك في جعل أدائي قويًّا.
مسرحياتك معقّدة عمومًا وغالبًا ما تتّسم بالكآبة. هل ذلك جذّابٌ للجمهور؟
غالبًا ما أستوحي قصصي من الكتب التي أقرأها أو الأفلام التي أشاهدها وقد أضيف عليها شيئًا من ابتكاري فأمزجُ بين الواقع والخيال. أما الجمهور فلا أصنعه بنفسي فهو يحضر أعمالي بإرادته وليس بتوجيهٍ مني. اعتمدُ نفسي كمقياسٍ لعملي؛ فإن لم يعجبني العمل، أو شعرت بخللٍ ما، أقومُ بتصويبه. بمعنى آخر أنا المشاهدُ الأول لفيلمي ولا أصنع أعمالًا على مقياس الجمهور.
كأنّك بعيدٌ عن المفهوم التجاريّ للأعمال؟
العمل التجاري رهنٌ بالمال والإنتاج. إذا أردتُ إحضار فرقةٍ مَِن 50 ممثلًا وراقصًا على مسرحٍ ضخم، ستكون الكلفة باهظة ويكون الهدف الإبهار البصريّ بالألوان والحركة. أمّا العمل غير التجاري، فيتطلب ممثلًا قويًّا، وقصّةً متماسكة ونصًّا عميقًا. وبالتالي يتطلّب الأمر من المشاهد تركيزًا وفهمًا عميقًا لمتابعة العمل وهذا صلب العمل الثقافي وأنا لا أركض وراء الربح التجاري.

هل يهمك أن يتلقّف الجمهور رسالتك؟
حين يسألك الجمهور عن مسرحيتك ان كانت مضحكة مثلًا؛ لا يبحثُ في الحقيقة عن الضحك فحسب، بل يريدُ تجنّب الحزن أو البكاء أو التفكير وهذا خطأٌ كبير. الفنّ هو أن تنظر إلى لوحةٍ مثلًا وتتركها تحرّك فيك المشاعر؛ سواء كانت توترًا؛ أم خوفًا؛ أم انزعاجًا. الفنّ يجعلك تختبر هذه الأحاسيس كلّها لإيصالك الى رسالته.
هل تأثرت بفنانٍ عالمي وأي مدرسة تتبع؟
أنتمي الى مدرسة الواقعية (Realism) كوني أحرص على إظهار الواقع بعدستي في السينما أو على المسرح. وقد أختارُ أحيانًا عالم الخيال (Fantasy) ولكن وفق الموضوع. يمكنني القول إنني تأثّرت بمخرجين كبار عالميًّا، أوّلهم ستانلي كوبريك في التصوير والإخراج. وتأثرت كذلك بفيلم “آلام المسيح” لميل غيبسون وبمدرسة “وودي آلن” في صياغة الحوارات.
