Meet the Artistمقالات

يمان الحاج: يهّمني أن تحمل أغنياتي رسالةً عميقة

تعرّف الجمهور إليك بشكل أساسي بسبب محتواكِ المميّز

على وسائل التواصل الاجتماعي أخبرينا عن هذه التجربة.

صحيح. تعرّف الناس إليّ عبر منصات التواصل. لا أخفي عليك أنني عانيت في البداية من صراعٍ داخلي مألوف لدى كثيرٍ من الفنانين؛ كوني شعرت مثل معظم هؤلاء أنّ هذه المنصات لا تناسبني، وبأنّ تركيزي يجب أن ينصبّ على الفنّ بحدّ ذاته من دون الدخول في فخّ لعبة التسويق. جرّبت في بداية مسيرتي الفنية تقديم محتوى متنوّع من أغانٍ، وكوميديا، ورقص وما إلى ذلك، ولكنّ النتيجة كانت دومًا مخيبةً للآمال، خصوصاً أنّني لا أحب اللحاق بالتيارات الرائجة. كان عليّ بالتالي تغيير استراتيجيتي لانتاج عملٍ يضمن لي الاستمرارية ولا ينتقص من نظرتي الفنية. انطلقتُ من شغفي الفعليّ وهو “صناعة الموسيقى من الصفر” فقرّرت الرهان على المواهب المتعدّدة التي أمتلكها ودعوة جمهوري الى رحلةٍ وراء كواليس عالمي الفني، كوني أعزف على عدّة آلات وأكتب، وألحّن وأسجّل، وانتج الأغاني بنفسي،

هل لمست نجاحًا حين أقدمت على ذلك؟

حققت النجاح منذ اللحظة الأولى، ربما بسبب المحتوى المبتكر الذي اعترف أنّه ليس من اختراعي شخصياً: نــشــرتُ مــقـاطع فيديو اعتمدتُ فيها على دوران “عجلة الحظ” لاختيار فنانٍ ما وتقديم أغنيةٍ بأسلوبه. وقع الخيار الأوّل على الفنانة عبير نعمة، فكتبتُ ولحّنت أغنيتي الخاصة “بخيالي” بنمطها علمًا أن أسلوبها ليس بعيدًا عن لوني، فحصد الفيديو آلاف المتابعين في ساعاتٍ قليلة. أدركتُ آنذاك أنني وجدتُ بوصلتي نحو النجاح.

قدّمتُ بعد ذلك أغنية “حبيبي يا نور العين” بأسلوب الفنان الشامي، ولكن الضربة الكبرى كانت في أغنية “بدنا نروق” لهيفا. أعجبني تحدي تغيير الأغنية جذرياً فقدّمتها بأسلوبٍ لاتيني مختلف تماماً عن النسخة الأصلية. راقت نسختي للجمهور الذي راحت أعداده تتزايد، فدخلتُ لعبة “التراند” من الباب العريض بسبب تقديمي للأغنية بأسلوبي المبتكر وليس بتقنية النسخ الكلّي.

وهل غيّر ذلك رأيك في مسألة اللحاق بالترند؟

شخصيًا أردتُ استخدام “التراند” كأداةٍ أُظهِر فيها مواهبي للجمهور، وبهذا المعنى تحوّل اللحاق بالتراند الى وسيلةٍ عفويةٍ صادقة لإيصال ابتكاراتي الى الجمهور فيتعرّف الى “يمان” الفنانة وما بوسعها تحقيقه موسيقياً بتقنيةٍ بعيدة عمّا هو سائد.

تفاعلُ استثنائي ومرحلة “ذي فويس” ودبي

لاحظنا تفاعلاً استثنائياً مع أغنية والدتك “مرفرف الدلال”

التي جدّدتِها. هل لعائلتك فضل في ما حققته من نجاح برأيك؟

كان نجاحاً فائق الوصف! بتجديدي أغنية والدتي تفوّقتُ حتى على ما حقّقته من نجاحٍ عند إعادة “تدوير” أغنية “بدنا نروق” لهيفا. أصابت الأغنيةُ وتراً حساساً لدى الجمهور الذي تملّكه حنينٌ الى الزمن الغابر وأسعدني كثيراً كمّ التعليقات الايجابية على ما قدّمته وقد حمل بعض التعليقات مقارنةً بيني وبين والدتي، فراحوا يعلّقون حول من قدّم الأغنية بشكلٍ أفضل وأدخلت التعليقات كلّها البهجة الى قلبي. لا أنكر أنّ لوالدتي الفضل الأكبر في تكويني الفني بفضل تدريباتها ووجودها الملهم في حياتي، وبتشجيعٍ منها التحقتُ بالكونسرفتوار في سنّ مبكرة، وتعلّمت الكمان في سنّ الخامسة، ثم البيانو، والغيتار لاحقاً. ولكنّني عملتُ شخصياً جاهدةً على صقل موهبتي ولم أصل الى ما حقّقته من فراغ.

هل صحيح أنّك تحوّلت من عالم الطبّ إلى الموسيقى؟

نعم، درستُ الطبّ لأربع سنوات، لكنّي، في سنة التطبيق العملي، صُدمت بواقع المهنة القاسي وتعقيدات النظام الصحي. وبرغم معارضة عائلتي الشديدة، تركت الطب وحصلت على ماجستير في “سلامة الغذاء” وبكالوريوس في الفنون (موسيقى الجاز)، متمسكةً بشغفي الحقيقي.

وماذا استفدت من مشاركتك ببرنامج “ذا فويس” ومن انتقالك

إلى دبي؟

تواصَل معي القيّمون على برنامج “ذا فويس” للمشاركة فيه بالعام 2019. قبلتُ التحدّي وغنيت بالعربية، رغم أنني كنت أغني بالإنكليزية حينها. وصلتُ إلى النصف نهائي بدمجي أغنيتَيْ “Earth Song” و”لبيروت”. كانت مرحلةً جميلة انتقلتُ بعدها إلى دبي، في العام 2021 تحديداً، بحثاً عن متنفّس مهني بعد الأزمات المتتالية التي أرهقت لبنان، وقد وجدتُ فيها بيئةً حاضنة رغم شدّة المنافسة والتطوّر السريع وصقلت التجربتان شخصيّتي وهويّتي.

ذكاء اصطناعي ونظرة الى المستقبل

كيف ترين التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي في مجال صناعة الموسيقى؟

الذكاء الاصطناعي أداةٌ ممتازة لتسريع العمل إذا أحسن المرء استخدامها، لكنّه يبقى مجرد “مولّد” للبيانات يستندُ الى ماضٍ موجود، وليس “مبدعاً” بحدّ ذاته. يبقى العمل البشري هو الطاغي لأنّه يكتنزُ الروح والإحساس. فموسيقى الذكاء الاصطناعي مثالية و”نظيفة” لدرجة تفتقر إلى “النبض” الذي يحرّك المشاعر. لا أخاف من الذكاء الاصطناعي ولا أعتقد أنّه قادر على احتلال مكانة البشر ولكنني لست من دعاة عدم اعتماده وسيلةً للنجاح وضدّ الاتكال عليه كلّياً في الوقت نفسه. أنا مع استخدامه بذكاءِ واتزان فمن يرفضُ التأقلُم مع هذه التقنيات يتخلّف عن الركب، ومن يعتمد عليها كلياً يفقد هويته الفنية.

الرحيل ولقاء قريب

ما هو مفهومك الخاصّ للأغنية الجميلة؟

ترعرعتُ على موسيقى “البوب”، والجاز، والموسيقى اللاتينية وكنتُ في بداياتي أغني بالانكليزية بشكلٍ أساسي وما غنّيتُ بالعربية إلا أخيراً. وحتى اليوم تراني أقدّم غالباً أغانٍ بكلماتٍ عربية وألحانٍ طابعها غربيّ. الأغنيةُ الجميلة بالنسبة إليّ هي تلك التي تحملُ عمقاً وتقنعني لحناً وكلمات.

يهمّك المعنى إذاً في الأغنية وليس الايقاع فحسب.

بالتأكيد، فأنا أبحثُ عن العمق والمعنى في أغنياتي، ويظهر ذلك بوضوحٍ في أغنيتي الجديدة “يمّا”، التي أتناول فيها موضوع الهجرة والانسلاخ عن الوطن، وهو في صلب معاناة اللبنانيين ولكنني طرحتُ المسألة بقالبٍ حماسيّ وجذاب بعيداً عن الحزن المعتاد. يهّمني أن تحمل أغنياتي رسالةً وألا تكون سطحية وقد لاقت الاغنية نجاحاً كبيراً واستحساناً من الجمهور.

لاحظنا أن لديك الكثير من الأغاني الخاصة

التي تتحدّث عن “الرحيل” لماذا؟

نعم، لأنني أسوةً باللبنانيين جميعاً نشأتُ على فكرة الرحيل وكأنه مكوّن طبيعي في حياتنا، خصوصاً أنّ أمي كانت ترحل دومًا لانشغالها الفنّي خارج البلاد. شغلني هذا الهاجس منذ نعومة أظفاري فألّفتُ أغنية “المهاجر” باللغة الانكليزية وغنّيتها مع أمّي. أكتبُ الكثير من أغنياتي انطلاقًا من أسئلةٍ أطرحها على ذاتي حين اختلي بنفسي.

كيف تقيّمين المشهد الحالي في لبنان فنياً واجتماعياً

ما هي نظرتك للمستقبل؟

شخصياً أرى الكثير من بوادر الأمل في لبنان فقد ضاق اللبنانيون ذرعاً بما ورثوه من موبقاتٍ في لبنان واختار عددٌ كبير منهم العودة للمساهمة ببناء الوطن، فنحن جيلٌ سئم من السياسات القديمة المدمّرة. أؤمن بالجيل الجديد وبتوقه الشديد للتحرّر من الماضي وبناء مساره الخاص بوعي واستقلالية وأنا واثقة بأنّ لبنان سيتحرّر من قيود الماضي ويعود ليتألّق كمركزٍ رائد للفنون في المنطقة.

علّمنا أنك على لقاءٍ قريب بالجمهور

في حفلةٍ خاصة. أخبرينا أكثر.

فعلاً. أقدّم أولى حفلاتي الموسيقيّة في لبنان على مسرح “ميترو المدينة” بالحمرا في التاسع من شهر أيلول المقبل عند الساعة التاسعة مساءً. تباع البطاقات إما على موقع “ميترو المدينة” أو في “انطوان تيكيتينغ”، وأنا متشوّقة جداً للقاء جمهوري وجهاً لوجه في أمسيةٍ أعزف فيها على آلاتٍ مختلفة وأقدّم فيها أغنياتي الخاصة بطريقةٍ مبتكرة مع أربعة موسيقيين وثلاثة مؤدّين وضيوفٍ مميّزين منهم أمّي. أعدُ جمهوري بأمسيةٍ موسيقية استثنائية خارجةٍ عن المألوف يتعرّف فيها الى يمان الفنانة ومواهبها المتعدّدة عن كثبٍ بأسلوبٍ مبتكر.

جورج بو عبدو - بيروت كالتشر 2025
ناقد فنّي ومخرج في  | Website |  + مقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى