
بين جدران مسرح “المونو” البيروتي، تتشكل ملامح تجربة درامية مكثفة تدعو المُشاهد إلى تفكيك طبقات سردية ونفسية معقدة. فمسرحية «سباحة بالهوا»، التي أدارت دفّتها المخرجة كارلا بربارة، لا تكتفي بسرد حكاية مقتبسة عن نص الكاتبة البريطانية شارلوت جونز، بل تعيد إنتاجها برؤية بصرية تضعنا أمام مرآة تعكس أشكال الظلم الاجتماعي بأسلوب يبتعد عن المباشرة.
تمرّد أنثوي خلف جدران المصح
تأخذنا الحبكة إلى عالم شابتين حُكم عليهما بالإقصاء داخل غرفة معزولة أشبه بـ “مصح”، لا لجرم اقترفتاه، بل لكسرهما القوالب النمطية الصارمة وتحديهما للأعراف. فمن جهة، نجد شخصية “دنيا” المعقدة التي طمحت للالتحاق بالجيش وتجسيد دور الجندية، ومن جهة أخرى، “باتريسيا بولس” ابنة المختار التي باحت بمشاعرها بجرأة.
يتجاوز هذا العمل زمنه ليضيء على آليات القمع التي تواجهها المرأة، مؤكداً أن التضييق المجتمعي ارتدى أقنعة معاصرة أكثر خفاءً. كما يغوص العرض بجرأة في قضايا الصحة النفسية، كاسراً حاجز الصمت حول هذا الموضوع الذي لا يزال يُعد من المحرمات في مجتمعاتنا، وموجهاً رسالة قاسية ولكن ضرورية، وذلك ضمن عالم غرائبي يربك المُتلقي ويدفعه للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين الواقع والاضطراب النفسي.
رؤية إخراجية تتحدى رتابة الزمن
ولتكثيف الشحنة الدرامية، اتخذت بربارة التي انطلق هذا العمل كمشروع تخرجها الجامعي الجامع بين دراسة المسرح وعلم النفس قرارات إخراجية ذكية. فقد شملت معالجتها سحب الإطار الزمني ليمتد حتى عام 2010، واستبدال أيقونة هوليوود دوريس داي بالسندريلا سعاد حسني لتعميق الارتباط العاطفي. ولتجاوز تحدي الحفاظ على إيقاع العرض الذي يمتد لـ 75 دقيقة وتجنب الرتابة، استعاضت عن الانتقالات التقليدية بلغة جسدية متطورة وتوظيف متقن للإضاءة لاختزال عقود من الزمن، مستندة إلى التجديد المستمر في أداء الممثلتين لخلق مساحة لا تعرف الملل.
كيمياء الأداء وتماهي الجمهور
وعلى الخشبة، تجلّت كيمياء الأداء بين جنى أبي غصن وسالي جابر عبر مزاوجة متوازنة بين الكوميديا السوداء والتراجيديا. فقد منحت أبي غصن شخصية “دنيا” أبعاداً جسدية ونفسية مركبة، متماهية مع حركتها التي تميل إلى الخشونة والصلابة لتلائم حلمها العسكري، في حين جسدت جابر عمق شخصية “باتريسيا”، لتشكلا معاً قوة الصداقة التي مثلت الرئة الوحيدة لنجاة الشابتين طوال سنوات العزلة القاسية.
وقد امتزج الإتقان الفني والتناغم الإخراجي بشكل مباشر مع الجمهور؛ فمنذ اللحظات الأولى، ساد صمت مطبق يعكس حالة من الترقب والانجذاب التام لمحنة البطلتين، ليتكسر هذا الصمت بين الفينة والأخرى بضحكات خجولة انتزعتها المواقف الكوميدية الموظفة بذكاء لتخفيف وطأة الألم. ومع تصاعد الحبكة وتكشف قسوة العقاب وسلب الحرية، بدت ملامح التأثر واضحة على وجوه الحاضرين الذين عاشوا حالة من التماهي العاطفي العميق مع الشخصيات، وتُرجمت هذه الحالة الشعورية في المشهد الختامي إلى تصفيق حار طال أمده، تقديراً للرسالة الإنسانية العميقة وللأداء التمثيلي المتقن الذي نجح في تحويل قصة معاناة قاسية إلى أيقونة فنية تحتفي بالصمود النسائي.








